تاريخ النشر: 2017-04-08 | 18:56
تاريخ النشر: 2017-04-08 | 18:56
اليوم هو نهاية الشهر، ومصدر الفرح الأزلي بل والصديق الأوفى الذي يقف مع الموظف وقت الأزمات والمحن، صحيح أنه قاسي القلب والطباع، حيث سوف يطر الموظف للوقوف فترة لابأس بها من الزمن قد تمتد لأكثر من ساعة للوصول إلى الصراف وجهٍ بوجه، من أجل الحصول على حقه الشرعي في الراتب، وبعد أن يكون الملل والاجهاد والضجر قد تسرب إلى نفسه، ولكن تبقى مواقف هذا التوقيت بطولية، ومضرب للمثل، فهو لم يخذل الموظف يوما. اليوم هو موعد استلام الراتب.
وقف نورس في طابور طويل ممتد شمل مئات الموظفين، ينتظر بفارغ الصبر ليحصل على ما تبقى من راتبه بعد أن يقتطع البنك ما يقارب ثلاثة ارباعه لصالح أقساط قروض كان قد أقدم على سحبها قبل أشهر. نورس لم يسكن المنازل الواسعة أو يلبس الثياب الباهظة، ولم يمتلك العقارات، ولم يسافر طيلة حياته، ولم يركب السيارات الفارهة، ولم يتناول طعامه قط في مطاعم فاخرة، أو يرتشف قهوته في لوبيات الفنادق البرجوازية، ولم يعرف من الكماليات الباهظة الثمن سوى أسمائها وما تعرضة إعلانات التلفاز. فيا ترى ما الذي دفعه الى أخذ القرض. نورس لم يملك عادات استهلاكية سيئة في الإنفاق، فهو يذهب للتسوق مرات عديدة ويقضي أوقات طويلة لإتمامه، ليس بهدف شراء كميات أكبر من السلع ولكن من أجل البحث عن الأرخص. وكساؤه يبتاعه من "الباله". محفظة نقوده لا تفتح إلا عند الضرورة بعد أن يجهد نفسه في التفكير في عملية إنفاقها. ومرة أخرى فيا ترى ما الذي دفعه الى أخذ القرض.
بحسب خبراء الاقتصاد في الوطن فإن متطلبات الحياة وتدني الدخل مقابل غلاء المعيشة، أدت بالكثير من الموظفين إلى تدبير احتياجات أسرهم عبر القروض باعتبارها أقصر الطرق لتأمين احتياجاتهم، لاسيما وأن إجراءات الحصول عليها سهلة ولا تستغرق وقتاً طويلاً من غالبية البنوك والمؤسسات المالية. أسباب تبدو منطقية للغاية، وسأفترض أن ذلك ما حدث مع نورس أن لم يكن الأسوا.
أخذ نورس يراقب بقلق، سخط وإمتعاض كل من سبقوه في سحب الراتب، فجميعهم اكدوا دون استثناء وجود خلل فني ما في رواتبهم. والا ما السبب في عملية التقزيم والتقليم في رواتبهم. ورغم أن نورس مدرس رياضيات، الا أن فاجعة الموقف لم تجعله يفترض أن ما تم اقتطاعه من رواتب الموظفين قد خضع لعملية حسابية، واكتفى بالفرضية العامة التي يرددها الجميع بأن هنالك خلل عشوائي ما قد حدث على مصفوفة الرواتب قبل إرسالها الى البنوك. وأخذ يدعو الله أن ينجيه من هذا الخراب.
بعد ما يزيد عن مائة دقيقة وانتظار طويل وممقت، أصبح نورس امام كتله حديدية إلكترونية، كتلة لديها من المشاعر والحنان ما يفتقره الكثير من البشر، صندوق يعطيه دون منة أو عرفان. رقصت أصابعه فرحاً وهي تعزف الحان مقطوعة الأرقام السرية، ولكن سرعان ما ماتت الابتسامة التي رُسِمت على طرف ثغره قبل دقائق، وعاد عبوس فظيع يملا وجهه ويمسح قسمات الارتياح، شأنه شأن اسلافه، بعد أن أخرج الصراف الألي مئة شيقل فقط.
جلس نورس على الرصيف واضعا راسه بين يديه الى جانب أجداده في تسلسل طابور الراتب، فهو لا يملك سوى مرتبه الشهري المتواضع المقتطع أصلا، والذي بالكاد يفى بالتزاماته المعيشية والأسرية. ماذا تراه يفعل بورقة واحده من فئة المائة الشيقل. كيف سيواجه غول الحاجة والعجز !
لاحقاً غردت وسائل الاعلام بالنبأ اليقين، لقد تم إلغاء البدلات والعلاوات، وأخرج شعب غزة على المعاش.
يعتبر عنصر المفاجأة من أقوى عوامل النصر وأبعدها أثراً في تحديد مصير المعارك، ويبقى السؤال هل موظفين غزة عدو، ليستخدم معه هذا التكتيك العسكري بامتياز، وتركهم يكتشفون قرارات الرواتب الجديدة على الصرفات دون أي تصريح مسبق. هل أستمتعم برؤية الخضوع في عيونهم.