تاريخ النشر: 2016-01-24 | 10:06
تاريخ النشر: 2016-01-24 | 10:06
هل يمكن أن نطور وعينا بالثورة العربية الكبرى في ذكراها المئوية التي تمر هذا العام بطريقة مختلفة، وبأفعال أكثر جدوى من السطحية السياسية والإعلامية التي مارسناها أحيانا كثيرة خلال عقود مضت، بالأمس بدأت أول الاحتفالات في العقبة تحت رعاية جلالة الملك، وإلى هذا الوقت لا نعرف كيف يمكن أن نستمدّ من هذه الذكرى طاقة معنوية جديدة؛ فقد تغيرت الكثير من الأشياء حولنا وتبدل الكثير من القناعات، وصدقت قناعات أخرى، وما يزال خطابنا السياسي والإعلامي الموجه للنخب والمجتمعات العربية خجولا ومترددا وتحديدا فيما يتعلق بالإرث السياسي.
جاءت الثورة بهدف تحقيق الأماني العربية بالتحرير والاستقلال وبناء اتحاد عربي ورفض حركات التطرف الديني التي بدأت بالانتشار في ذلك الوقت، ولكن الثورة التي جاءت في سياق ترتيبات الحرب العالمية الأولى لم تحقق أهدافها السياسية بعد أن أنجزت مهمتها العسكرية، نتيجة عدم وفاء القوى الدولية الكبرى ( بريطانيا وفرنسا) بالتزاماتهما بدعم إنشاء دولة أو اتحاد عربي في الولايات المحررة من الأتراك، وفي المحصلة شكلت هذه الخطوة التاريخية بداية حركة النهضة العربية اللاحقة.
لقد كانت الثورة العربية الكبرى بمثابة "الربيع العربي الحقيقي الأول" في التاريخ العربي الحديث والمعاصر، حيث دعت إلى الاستقلال والحرية والعدالة ورفض التطرف الديني والسياسي، وتزامنت الثورة مع انتشار أفكار وممارسات وحركات دينية متطرفة في الجزيرة العربية، وازدياد استبداد الحكم التركي من جهة أخرى، ما دفع نخبا عربية التفت حول الهاشميين إلى تبني قيم سياسية وثقافية أكثر اعتدالا ورغبة في الاستفادة من دروس المجتمعات الغربية في بناء الدولة على أسس دستورية واحترام القانون وحقوق الإنسان.
لقد حان الوقت لتقديم قراءة جديدة للنهضة العربية في تلك المرحلة، للتعرف على جانب من الأسباب التي قادت إلى فشل مشاريع النهوض والتنمية في العالم العربي بعد النصف الثاني من القرن العشرين حينما لم تستفد الدول العربية الناشئة من دروس الثورة العربية وفكرها، ما دفع إلى عودة حركات التطرف الديني والسياسي والثقافي لتفرض نفسها بقوة في العالم العربي.
إن القراءة الجديدة للثورة العربية تحتاج إلى منظور مختلف يقوم على التعدد والتنوع في مصادر المعلومات، والقراءات لإعادة إنتاج شرعية جديدة لمشروع ديمقراطي عربي يتأسس على حقوق الانسان والقانون والتعددية، أي الشرعية القابلة والقادرة على تقديم الإسلام للمسلمين وللعالم بعيدا عن الأطر المغلقة والمتطرفة، والشرعية القادرة على مخاطبة العالم باللغة التي يفهمها.
لقد أضاع الأردن فرصا كبيرة للانتفاع من الإرث السياسي لحركة النهضة العربية، سواء في بناء الدولة المعاصرة أو في الدور الإقليمي، ليس فقط السياسي بل الثقافي وفي الدبلوماسية الشعبية، وهو ما يمكن أن يشكل جدول أعمال وطنيا جديدا سياسيا وثقافيا في دعم نموذج جديد للتحول الديمقراطي والإصلاح السياسي الواقعي الذي يأخذ بالتدرج ويستند إلى الحكمة، وفي بناء مؤسسة إسلامية مرجعية معتدلة ومعاصرة وجامعة تضفي روحا جديدة لعلاقة العرب بالإسلام.
وسط حالة اليأس التي تعيشها المجتمعات العربية، تحتاج هذه المجتمعات أن تسمع كلاما جديدا عن المستقبل، ووسط هذا الخراب وحالة الشك والريبة فنحن بحاجة إلى روح جديدة وخطاب سياسي وثقافي مختلف وهذه فرصتنا.
عن الغد الاردنية