عادت مصر, الى أن تكون نقطة تجاذب أو ساحة مواجهة أو جزءاً من حرب باردة جديدة بين موسكو (غير السوفياتية) وواشنطن (غير ادارة المحافظين الجدد)، بعد أن بدت لعقود طويلة وكأنها جزء «أصيل» من الاستراتيجية الاميركية التي فازت بمصر كجائزة «كبرى» بعد حرب اكتوبر 1973، رغم أنها (واشنطن) هي ذاتها التي أسهمت في تحويل نصر أكتوبر الى هزيمة عسكرية وسياسية موصوفة, بعد أن دخلت المعركة رسمياً وعملياً عبر تزويدها جيش العدو الاسرائيلي بالدبابات والطائرات الجاهزة للدخول الى مسرح العمليات, وهي التي أعاقت قراراً من مجلس الامن يدعو الى وقف «فوري» لاطلاق النار, وعودة القوات الى خطوط الثاني والعشرين من اكتوبر, لكن اسرائيل مضت وبدعم سياسي ودبلوماسي اميركي «سافر» في محاصرتها للجيشين الثاني والثالث، على نحو غدا فيه السادات مستسلماً (وكأنما أراد ذلك) كي يمرر سلسلة الاتفاقات والترتيبات السرية, التي كان عقدها مع العزيز هنري كيسنجر, واضعاً بين يديه كل أوراقه (وهو صاحب المقولة «التاريخية» بأن 9ر99% من أوراق الحل في يد اميركا) مانحاً اياه ثقة مطلقة كي يبرم مع اسرائيل أي اتفاق ويبذل لها أي وعد, وأن يضع بين يدي غولدا مئير تعهداً بأن حرب اكتوبر هي «آخر الحروب» بالنسبة لمصر.. في الوقت ذاته الذي أدار ظهره وبازدراء شديد للاتحاد السوفياتي, رغم أنه حارب بالاسلحة السوفياتية التي زعم - ويا للمفارقة – انه احزر انتصار اكتوبر .. بها!!.
ما علينا..
يمكن اعتبار يوم الثالث من تموز 2013 كيوم تأسيسي لمرحلة تَحوّل لافتة بل استراتيجية, في اطار الصراع الدائر في المنطقة وعليها (وحولها) وبعد ان استجاب وزير الدفاع المصري لنداء الشعب المصري الذي عبّرت عنه موجة الثلاثين من حزيران 2013 واعلانه في الثالث من تموز, «خريطة المستقبل» التي طوت صفحة حكم الاخوان المسلمين, وقلبت خريطة التحالفات الاقليمية والدولية, في المنطقة وبخاصة في بعديها التركي والاميركي, حيث فرضت قواعد جديدة للعبة قديمة متجددة من الصعب التكهن بمآلاتها, وبخاصة بعد أن اتسعت (وتعددت) ساحات المواجهة بين موسكو وواشنطن وغدت الاخيرة خاسرة لمعظم رهاناتها, على نحو جاءت فيه التسريبات (الاميركية) التي تتحدث عن مواصلة واشنطن «مراجعة» خياراتها باستمرار, وكأنها استدراك لحال التراجع التي ميّزت السياسات الاميركية الخارجية في اكثر من ملف.
تطورات الملف المصري وما حدث على هامش زيارة المشير السيسي لموسكو جاءت لتضع ادارة اوباما, أمام خيارات «صدامية», نحسب أنها معنية بأن تكون أكثر حذراً وأقل اندفاعاً, في الذهاب بعيداً نحو استعداء الرئيس المصري «المقبل», ونقصد هنا المشير السيسي, حيث «أطار» تصريح المجاملة (أضِفْ.. المقصود) للرئيس الروسي واعتباره ترشيح السيسي لرئاسة مصر بأنه «مسؤول جداً», اطار صواب ادارة اوباما التي ردت بغضب واضح وبكلمات (متوازنة) ظاهرياً, لم تعهدها الدبلوماسية الاميركية ذات الاتجاه الواحد والمنحازة, عبر «إقرارها» هذه المرة, بحق «الشعوب» في اختيار حكامها وليس لأحد في «الخارج» حق التدخل في هذا الحق, فيما هي تنكر على الدوام مثل هذا الحق, إذا ما تعارض أو باتت متأكدة من أنه لا يخدم مصالحها أو ما تزعم أنه أمنها القومي واستراتيجيتها الكونية..
ماذا قالت واشنطن؟
«... ترشيح السيسي أو أي مرشح للرئاسة, ليس من شأن الولايات المتحدة أو من شأن بوتين ولا أن يقرر (بوتين) مَنْ ينبغي أن يحكم مصر.. الامر يعود الى الشعب المصري.. فقط» هكذ نصاً, لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل انكشف حجم الغضب الاميركي والاحتمالات الماثلة لفقدان مصر، عندما ذهبت واشنطن بعيداً في التقليل من شأن التقارب «المحتمل» بين القاهرة وموسكو, أو «ضرره» على العلاقات «القديمة والقوية والتاريخية» بين القاهرة وواشنطن, ثم ما لبثت أن عادت الى سياستها المعروفة في التلويح بـ»العصا والجزرة» عندما قالت في «وضوح» لا يخفي خيبة الأمل «.. إن الولايات المتحدة لديها قدرات (فريدة) من ناحية الدعم العسكري والاقتصادي للقاهرة».
المواجهة «المصرية» بين موسكو وواشنطن... بدأت, واحتمالات تأججها قائم، ويبقى القرار في يد المشير السيسي نفسه, الذي يبدو أنه «يزن» خطواته بميزان دقيق جداً, لأن اي خطوة غير محسوبة، يمكن ان تطيح بكل ما انجزته موجة 30 حزيران 2013، ورزنامة خريطة المستقبل.
أين من هنا؟
ما يجري في مصر الان, وسيجري لاحقاً, مرتبط بمآلات «الحدث» السوري, ووقائع الازمة الاوكرانية... المتمادية، بهذا الشكل أو ذاك.
.. لا بد من الانتظار.
عن الرأي الاردنية