تاريخ النشر: 2025-12-21 | 11:06
تاريخ النشر: 2025-12-21 | 11:06
الشرق الأوسط بما حمله من تطورات وأحداث، خصوصاً مع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين أول 2023، وما تلاه من اتساع دائرة الصراع في المنطقة كانت الولايات المتحدة الأمريكية بإدارتيها الديمقراطية والجمهورية متورطة ومنخرطة في هذا الصراع. وما استتبع ذلك من تداعيات كانت من أبرزها السقوط المروّع للسردية الصهيونية المزيفة التي روجت لها الحركة الصهيونية منذ عقود طويلة. ففي ساحات وميادين دول العالم بما فيها تلك الدول التي وقفت إلى جانب الكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، انتصرت السردية الفلسطينية، وسقطت سردية بني صهيون، ومعها سقط القناع عن الوجه القبيح للإدارة الأمريكية الراعي الحصري لحرب الإبادة. حيث وصلت نار الخلافات إلى داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وداخل أروقة الكونغرس بين مؤيد لاستمرار الدعم وبين وقفه لأنه يستنزف من مكانة أمريكا وسمعتها ومقدراتها.
ما شهدته دول العالم من حراك مساند للشعب الفلسطيني، واتساع رقعة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. وبعد توسع حالة العزلة التي يعيشها الكيان الصهيوني وقادته الفاشيين، وذاك الانقسام والاستقطاب الحاد في بنية مجتمع المستوطنين الصهاينة. دأبت إدارة الرئيس "ترامب" إلى الإسراع في طرح خطتها لوقف الحرب في قطاع غزة، ليست مكرمة ولا صحوة ضمير، بل للحد من عزلة الكيان أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي. وليس بعيداً عن حرب الإبادة ذاك الصراع على جبهات الإسناد في لبنان واليمن والعراق، وتلك الحرب التي شنها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على إيران في يونيو/ حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يوماً. ناهينا عن جملة التطورات على غير صعيد ومستوى ببعديها الدولي والإقليمي، وجدت إدارة الرئيس "ترامب" ليس من مفر أن تحشد ثقلها الاقتصادي والعسكري والسياسي نحو المناطق الأكثر حماوة وسخونة، وتحديداً الصين التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية الخصم والمنافس الأول لها الذي تجب مواجهتها بكل حزم. لذلك أي إدارة "ترامب" وجدت نفسها معنية بضرورة الإسراع في التخفيف من أحمالها الزائدة في أكثر من منطقة في العالم، والشرق الأوسط من بين تلك المناطق. وهذا ما تحدثت عنه وثيقة "ترامب" للأمن القومي، وذلك اعتماداً على ما استطاعت أمريكا من ترتيبه في المنطقة يُمكّنها من التراجع في أولويات الشرق الأوسط بالنسبة لها. وعزت أسبابه أولاً، أنّ الشرق الأوسط لم يعد المورد الرئيسي للطاقة نفطاً وغازاً. وبالتالي تعمل الولايات المتحدة على انتاج وتصدير الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي المسال. وبهذا المعنى فالولايات المتحدة تسعى لتحرير نفسها من السياسات النفطية لمنظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، من خلال تثبيت سعر النفط كحدٍ أقصى 60 دولار للبرميل الواحد. مع ما سيترتب عليه من تسعير للحرب في مواجهة الدول الأكثر منافسة للولايات المتحدة وهي روسيا وإيران. أما ثانياً، فمنطقة الشرق الأوسط لم تعد ساحة مغرية للتنافس، بعد أن انكفأ وتراجع الدور الروسي الطامح، ومرد ذلك لسببين. الحرب في أوكرانيا بما ترتب عليها من استنزاف في القدرات الاقتصادية، وبالتالي سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام 2024. وثالثاً، أدركت إدارة الرئيس "ترامب" ونتيجة الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني في حرب الإبادة على قطاع غزة والمتواصلة منذ ما يزيد عن العامين. وتورطها في حروب في اليمن وإيران، قد أوقع اقتصادها في استنزاف شديد. وهي التي كانت سبباً من تلك الأسباب التي ذهبت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي إلى التراجع في المنطقة كأولوية استمرت لعقود طويلة كتقليد ثابت في سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، في مراحل طُبِع فيها الصراع الدولي بين قطبي العالم الاتحاد السوفيتي ومن خلفه حلف "وارسو"، والولايات المتحدة ومن خلفها حلف "الناتو" ب "الحرب الباردة"، حتى انهيار وتبخر الاتحاد السوفيتي في ديسمبر/ كانون الأول من العام 1991. وأيضاً فيما ادعته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ب "الحرب على الإرهاب" العام 2001 بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر/ أيلول 2001.
وجاء تناول الشرق الأوسط في استراتيجية "ترامب" للأمن القومي في عناوين، (تأمين المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة- الشراكات الإقليمية- القضية الفلسطينية- الكيان الصهيوني- إيران- سورية- داعش والقاعدة): -
- لطالما شكّل تأمين وحماية المصالح الأمريكية الهاجس الأكبر لدى الإدارات الأمريكية على مدار العقود السابقة. وعلى الثابت الغير متغير كانت وظيفة الكيان الصهيوني كأهم المرتكزات الاستراتيجية التي تعتمدها الولايات المتحدة في تأمين مصالحها. ومن ثم تقدمها وحضورها المباشر في عدد من دول المنطقة عبر قواعده عسكرية، وتحديداً في منطقة الخليج العربي. مع الإعلان عن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، من الواضح تماماً أن إدارة "ترامب" ورغم تراجع أولوياتها في الشرق الأوسط. غير أنّ مصالحها والتأكيد عليها لا زالت أولوية بعناوين موارد الطاقة والإبقاء على البحر الأحمر ومضيق هرمز مفتوحاً ومتاحاً أمام الملاحة الدولية. وجعل المنطقة أمنة من وجود أية بيئة حاضنة للإرهاب، تهدد أمنها القومي ومصالحها في المنطقة، وفي مقدمة تلك المصالح الكيان الصهيوني.
- المحافظة على الشراكة الإقليمية ببعديها الأمنية والاقتصادية، بما فيها الانخراط التكنولوجي والذكاء الصناعي مع عدد من دول الإقليم، ويقع في مقدمتها الكيان الصهيوني، والمملكة العربية السعودية، ودولة الامارات المتحدة... الخ.
- القضية الفلسطينية، لم تأتي الاستراتيجية على ذكر شيء من شأنه إعطاء دفعة جديدة لحل القضية، ولو وفق ما سمي ب "حل الدولتين" المرفوض. وحتى إعادة ما التزم به "ترامب" أمام عدد من رؤساء الدولة العربية والإسلامية، بعدم السماح لحكومة "نتنياهو" بضم الضفة الغربية. وبتقديري مرد ذلك هو إعادة التأكيد على أنّ الرئيس "ترامب" لا يزال ملتزماً ومتمسكاً ب "صفقة القرن" التي أعلن عنها في أواخر يناير/ كانون الثاني 2020 خلال ولايته الأولى. وما ذكرته الاستراتيجية، هو أنّ وقف إطلاق النار في قطاع غزة وما سمي ب "تحرير الرهائن" قد فتح الآفاق أمام تهدئة بعيدة الأمد. والتأكيد على أنّ القضية الفلسطينية "قضية بالغة التعقيد".
- من دون أدنى مواربة وبشكل مباشر، جاءت وثيقة "ترامب" لتأكيد المؤكد على أنّ الكيان الصهيوني هو الثابت استراتيجياً من خلال الالتزام المطلق بأمنه وتفوقه، بل ويقع في سلم أولويات مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. كيف لا وما قد منحته الإدارات الأمريكية منذ نشأة الكيان كأول دولة تعترف به في العام 1948، يجب ألاّ يدعو للشك في أنّ الكيان هو الولاية الأمريكية "51" بسبب الدعم اللامحدود للكيان. وعملية طوفان الأقصى في اكتوبر/ تشرين الأول 2023، وحرب الإبادة لخير دليل على هذا التبني والدعم المطلق بالمعنى السياسي والعسكري والاقتصادي والأمني والدبلوماسي والقانوني. وقد سعى الرئيس "ترامب" منذ ولايته الأولى على فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني بما سمي ب "اتفاقيات ابراهام" مع العديد من الدول العربية "الامارات، البحرين، السودان، المغرب". ناهينا عن الدول التي تجمعها اتفاقات "سلام". واستراتيجية "ترامب" ملتزمة بتعزيز اتفاقيات ابراهام، من خلال مغريات للدول التي تطبّع مع الكيان بما فيها تزويدها بالأسلحة المتطورة. وفي هذا السياق يأتي الكلام قوياً عن موافقة أمريكية لصفقة الطائرات أل "F35" للسعودية لدفعها نحو التطبيع الذي عطلته عملية "طوفان الأقصى".
- أما عن إيران، والتي وصفتها الوثيقة بأنها الدولة الساعية إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، من قبل ما انتهت إليه الحرب في لبنان واغتيال السيد نصر الله، وسقوط نظام بشار الأسد، وتوجيه ضربة عسكرية موجعة ومؤثرة عليها في يونيو/ حزيران من العام الجاري. وتدمير ما وصفته الوثيقة ل "برنامج إيران النووي" بفضل عملية "مطرقة منتصف الليل" التي أمر بها الرئيس "ترامب" على البنية التحتية للمشروع النووي في منشأتي فوردو ونطنز. فإيران قبل ذلك شيء وما بعده شيء أخر. رغم تأكيد الوثيقة أنّ النزاع وأشكال الصراع بين إيران ودول الإقليم لا سيما الخليجية سيبقى قائماً، ولكن من دون أن يتطور إلى نزاع أو صراع عسكري. ووفق الوثيقة فإنّ ضغوط العقوبات ستتواصل على إيران، بما فيها العقوبات والضغوط الاقتصادية والمالية المتصلة بالبنوك حد "الخنق". وهذا لا يعني مجدداً الذهاب إلى الخيار العسكري لإسقاط النظام، مع التعهد على تشجيع الحراك والاحتجاج الشعبي المناوئ للنظام، وذلك بهدف التسريع في خطوات انهياره وإسقاطه.
- وثيقة "ترامب" وبما يخص سورية، فهي ترى أوضاعها غير مستقرة، وهي بعد سقوط نظام بشار الأسد دورها وموقعها من ضمن لعبة النفوذ قد تراجع. والإدارة الأمريكية جرياً على عادتها بما يتعلق بالمساهمات المادية فهي خارج الموضوع، حتى المساعدات المادية السخية للكيان تدفعها من جيوب المواطنين الأمريكيين، والأرصدة الضخمة للدول والمكدسة في خزائنها وتحديداً الخليجية. وبهذا المعنى الإدارة الأمريكية فبحسب الوثيقة لن تساهم أمريكا في إعمار ما دمرته الحرب في سورية. الذي يحتاج استقرار الأوضاع فيها إلى دعم أمريكي وعربي وإقليمي، من دون التدخل في شكل الحكم فيها. مع التأكيد أنّ معايير العلاقة وبحسب الوثيقة قد ركزت على التعاون الأمني والمصالح الاقتصادية الاستراتيجية.
- الوثيقة أكدت أنّ قيادتها للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب "داعش والقاعدة"، ومن ثم التعاون مع "قسد" في سورية، وقوى محلية أخرى، قد أثمرت في سقوط ما أسمته الوثيقة ب "الخلافة" على مستوى الإقليم. وستستمر الضربات والمواجهة مع "داعش والقاعدة" في مواجهة مفتوحة لا تراجع فيها، اعتماداً على العمليات العسكرية للطيران الحربي والمُسيّرات وقوات إنزال خاصة.