نحن فعلاً نسير في الطريق الخطأ ، لايمكن لأي شعب يرزح تحت الاحتلال القبول بهذا السلوك الاحتلالي الإجرامي الفاشي العنصري ، ومن يشاهد الصورة من الخارج ، يظن أن الشعب الفلسطيني هو الجلاد، وأن الدولة الصهيونية هي الضحية ، وبالتالي يجب معاقبة الجلاد ، والتعاطف مع الضحية ، والأخطر من كل هذا أن السياسة الإنهزامية ، والحلول السلمية ، والمسيرة التفاوضية ، ومشاريع الدولة الوهمية ،جعلت البعض منا يعتقد فعلا ،أنه هو الجلاد والارهابي والمخرب ، بمعنى بدأنا نقبل أو نتقبل وجود الاحتلال الصهيوني على أرضنا ، ونعطي له المبررات والذرائع والحجج ، تبدلت المفاهيم ، وأستسلمت الشعارات الثورية ،وتسمم الوعي الجمعي وتشوهت الحقائق وأصبحت مقاومة الاحتلال الاسرائيلي جريمة يعاقب عليها كل من تسول له نفسه التصدي للمشروع الصهيوني وأدواته ..
تعميم هذه الثقافة الانهزامية والاستسلامية جريمة وطنية ، بالأمس القريب وبالتحديد حادثة اختطاف المستوطنين الثلاثة ، وبغض النظر عن ملابسات الحادثة والجهة المنفذة ، وما اذا كانت فعلا حقيقة أم مسرحية ، الخطير في هذا الموضوع هو الصمت والسكوت الشعبي الفلسطيني والعربي الاسلامي على ردة الفعل الصهيوني المفتعلة ، وكأننا نحن المجرمين وهم الضحية وبالتالي لهم حرية الاعتقال ، والاحتجاز ،والتفتيش ، ومداهمة البيوت وترويع الآمنين ، والتعذيب والقتل ، وقطع الطرقات واقامة الحواجز ، ومطاردة المناضلين ، واستخدام كل الوسائل والأساليب اللاأخلاقية بحجة "اختفاء ثلاثة مستوطنين " ، القبول بكل هذه الاعمال الاحتلالية يعني الرضوخ والاستسلام للاحتلال ، والقبول بالاحتلال يعني القبول بالذل والمهانة ، و الأخطر هو الادانة الرسمية لهذه الأعمال ..
أعتقد بأن هذه هي النتيجة الطبيعية للمقدمات "المرحلية " ، عملية الترويض للشعب والجماهير والثورة الفلسطينية بدأت على مراحل ، من مرحلة الكفاح المسلح الى مرحلة السلطة الوطنية على ارض محررة ، الى برنامج دولة فلسطينية مستقلة في اراضي الضفة والقطاع وعاصمتها القدس أو في القدس مع الأخذ بعين الاعتبار التلاعب بالألفاظ والمصطلحات السياسية ..
ومن برنامج دولة مستقلة الى برنامج “حكم ذاتي انتقالي” في اجزاء من اراضي القرار 242 كمقدمة نحو الدولة. لم يعد المرحلي مرحليا، أمسى نهائيا بل تحول - في احيان من السياسة والتفاوض- اكبر من الممكن والمتاح! وإن يعني ذلك شيئا، فهو يعني ان فكرة المرحلية إما أنها لم تكن نضجت في الفكر السياسي الفلسطيني، وإما انها سبقت، من قبل بعض، كي تغدو استراتيجية نهائية للعمل الوطني!
ليس الانتقال من فكرة “السلطة الوطنية” الى فكرة “الدولة المستقلة”، ومن هذه الاخيرة الى “الحكم الذاتي الانتقالي” - الذي نص عليه “اتفاق اوسلو”- هو الذي أتى يمثل مأزقا في الفكر السياسي الفلسطيني، وإنما هو الانتقال ذاك من تجلياته وتبعاته. اما موطن الخلل في المسألة والتعبير عن ذلك المأزق، فهو: الانتقال من تحرير الوطن الى دهاليز السلطة و الدولة، ويرادفه الانتقال من استراتيجية التحرير ، الى استراتيجية الاستقلال.
لم يعد تحرير الوطن في قلب العقل السياسي، باتت الدولة “المستقلة” هي الشغل الشاغل. وأثمر ذلك اختزالا للعمل الوطني الى مجرد نضال من اجل “الاستقلال الوطني”، أو من اجل الاستقلال في وطن صغير داخل الوطن الكبير!
كانت النتائج كارثية من ذلك التحول في العقل السياسي الفلسطيني وما نجم عنه من تحول برنامجي من استراتيجية التحرير الى استراتيجية الاستقلال..
أولا: ان التفكير السياسي الفلسطيني من داخل اشكالية الدولة، بدلا من الوطن، اسقط الشطر الاهم من عملية التحرر الوطني: تحرير الوطن، وسلم بأن هدف ذلك التحرر تحصيل "كيان سياسي " لا يطابق الوطن في حدوده التاريخية والجغرافية، فالدولة في خطاب الواقعية السياسية الجديدة ليست الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين، التي رسمها ميثاق المنظمة هدفا لنضال الشعب الفلسطيني، وانما الدولة المستقلة على مناطق عام 1967. وحين سميت مستقلة، قصد بالتسمية أنها كيان سياسي منفصل عن “اسرائيل” وخاص بالشعب الفلسطيني، ويوحي ذلك بالكثير من المعاني السلبية: بأن الثورة سلمت بوجود “اسرائيل” وبخروج مناطق الـ48 من جغرافية فلسطين، ولم تعد تسعى الى تحرير الاراضي المغتصبة في المثلث والنقب والجليل، وانها تعترف بأن دولة “اسرائيل” مستقلة وسيدة على أرضها وشعبها، وهو يوحي بأن الثورة نفضت يدها من قسم من شعبها يعيش في مدنه وقراه في فلسطين 48، وسلم عمليا بأن قضيته خرجت من نطاق المسألة الوطنية ودخلت في اطار المطالب الديمقراطية الداخلية من اجل المساواة القانونية وحقوق المواطنة داخل كيان الاحتلال ..
ثانيا: ان برنامج الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف يسلم بأن غرب القدس جزء من الدولة العبرية حتى وان كان الرفض صريحا لأن يكون عاصمة لها، وهو برنامج يغامر ايضا بالنيل من حقوق اللاجئين في العودة الى اراضيهم وديارهم وممتلكاتهم في مناطق 48 حين يسلم بأنها جزء من “اسرائيل” غافلا عن أن الفقرة 11 من القرار الأممي رقم 194 تربط الاعتراف الدولي بـ”اسرائيل” كدولة عضو في الأمم المتحدة بتطبيقها مقتضيات القرار القاضي بالحق في العودة للاجئين..
وقد ادركت “اسرائيل” في المفاوضات (في مدريد وما تلاها) المطب الذي اوقعت فيه المنظمة نفسها حين تبنت صيغة الدولة المستقلة وحين اعترفت “بحق “اسرائيل” في الوجود” (في رسائل الاعتراف المتبادل الملحقة باتفاق اعلان المبادئ في العام 1993) فرفضت مبدأ الحق في العودة الى اراضي الـ48 واعتبرت وطن اللاجئين هو الكيان الفلسطيني الذي سيقوم في الضفة والقطاع.
ثالثا: ان إسقاط فكرة تحرير الوطن وإحلال فكرة الاستقلال والدولة محلها وضع منظمة التحرير مباشرة امام اطروحة الحل السياسي والتسوية على قاعدة القرارين 242 و338، تأخرت كثيرا في الجهر باعترافها بالقرارين. فعلت ذلك ضمنا وفي نطاق عربي اجمالي في قمة فاس الثانية (1982) عقب خروج المقاومة من لبنان، لكنها اعترفت بهما صراحة في “اعلان الاستقلال” الذي اصدره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة المنعقدة في الجزائر (نوفمبر/تشرين الأول 1988) وحتى اشعار آخر، سيظل مبهما احجاما المنظمة والمجلس الوطني عن اعلان الدولة على أراضي القرار 181 (قرار التقسيم) وإعلانها على مناطق القرار 242 بدلا من ذلك، على الرغم من ان حدود الأول أوسع، وأنه يقر بدولة عربية في فلسطين، بينما يتعامل القرار 242 مع القضية كقضية لاجئين فقط! والمهم هنا ليس هذا التفصيل، وانما دخول القضية الفلسطينية في دهاليز المشاريع الاستسلامية ..
إن كل وقائع المسار الانهزامي الذي دخلت فيه القضية الفلسطينية، منذ أعوام ، وصولا الى “اوسلو” واخواتها يجد ما يفسره في ذلك الانتقال الكارثي في عقل الثورة وتجربتها من فكرة الوطن الى فكرة الدولة ومن استراتيجية التحرير الى برنامج الاستقلال، وربما يقول البعض ان مسؤولية ذلك تقع على قيادة م.ت.ف وهذا غير دقيق لأن سائر فصائل الحركة الوطنية بما فيها الفصائل الاسلامية تتبنى اليوم برنامج الاستقلال الوطني والدولة على حدود يونيو/حزيران 1967 ، اما ما يفيض عن ذلك من المطالب، فلا ينتمي الى البرنامج السياسي، وانما الى الجهد الايديولوجي ،الدعوي والتعبوي ، وفي ذلك عبرة لأولي الألباب ..!!
مشروع الاستقلال الوطني الفلسطيني ، تحول الى كيان أمني لحماية المصالح "الاسرائيلية " ، والدولة الوهمية هي القاعدة الاستثمارية لأرباب التجارة الاقتصادية والوطنية والسياسية والمطلوب من أجهزة هذه الدويلة الحفاظ على الأمن والاقتصاد ، وبالتالي الحفاظ على طبقة رجال الاعمال -الرأسمالية الفلسطينية - وعلى شبكة المصالح المتبادلة وعلى الطبقة البرجوازية السلطوية والنخبة السياسية الانتهازية ..
طريق الوطن وطريق الدولة خطان متوازيان لايلتقيان ، بينهما برزخ لايبغيان.
الوطن ، الأسرى ، القدس ، اللاجئين