تاريخ النشر: 2021-01-01 | 19:32
تاريخ النشر: 2021-01-01 | 19:32
رغم قناعتي بأن الحديث حول هذا الموضوع مسألة حساسة جدا وخاصة في هذا التوقيت الصعب والحرج الذي نمر به كفلسطينيين حيث يتكالب على قضيتنا القريب قبل البعيد؛ الا أن بعض أشكال الحديث والتعبير حول ملف العلاقة بإيران دفعتني للإجتهاد بكتابة ونقل ما سيرد حضراتكم في هذا المقال .
أولا .. الجانب الديني:
نحن وكمسلمين في نظر الإيرانيين الشيعة نعتبر كفار وما يميزنا في فلسطين هو عدم تمكن الشيعة من نشر التشيع في فلسطين وهو الأمر الذي كان سببا في حفظنا من جرائم مشابهة كثيرة وكبيرة تعرض ويتعرض لها غيرنا في بلدان عربية أخرى .. وإسمحوا لي أن أنقل لكم ماورد في موقع "طريق الإسلام" حول الشيعة ونظرتهم لنا كمسلمين .
"أما الشيعة فكتبهم تعج بالحديث عن تكفير الغير، سيما أهل السنة والجماعة، فبالرغم من ادعائهم -ليل نهار- أن مذهب أهل السنة مذهب تكفيري إلا أن الناظر في مقولاتهم وكتاباتهم وأفعالهم يقطع بما لا مجال فيه للشك بأن التشيع ما قام إلا على التكفير، ولولا تكفيرهم المسلمين لما كان لتشيعهم معنى، ولا لمذهبهم أثر، ولا لعمائمهم مريدين وأتباع.
فالفكر الشيعي فكر يغذي أتباعه على الاستعلاء على المسلمين وتكفيرهم بل وسلبهم أموالهم والتعدي على حرماتهم وعوراتهم، متذرعين بعقيدة الاصطفاء التي اشتركوا فيها مع اليهود، فاليهود ادعوا أنهم شعب الله المختار، وأن ما دونهم من الأمم عبيد لهم وخدم لمشروعهم، والشيعة رؤوا في جماعتهم جماعة مختارة مصطفاة دون غيرهم من البشر.
ولهذا فهم يكفرون كل من لم ينص على إمامة علي رضي الله عنه من المسلمين، والنص على الإمامة ليس كما يبدو من ظاهر الكلام، أنه الشهادة بخلافته رضي الله عنه وإمامته في الدين، وصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، بل الأمر -عند الشيعة- أكبر من ذلك. فمن لوازم هذا التنصيص وتلك الشهادة التبرؤ ممن اعتدى واغتصب الخلافة -بحسب معتقدهم- وعليه فالشيعي الحق معصوم الدم هو من يتبرأ من الخلفاء الثلاثة: (أبو بكر وعمر وعثمان) رضي الله عن الجميع.
وإلا فلماذا يكفر الشيعة أهل السنة رغم اعترافهم بإمامة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؟! فعن الباقر يروي الشيعة قوله: "إن الله عز وجل نصب علياً عليه السلام علماً بينه وبين خلقه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً، ومن جهله كان ضالا، ومن نصب معه شريكا كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل الجنة" (4).
ومن الروايات التي تجعل من معرفة الإمام شرطاً من شروط صحة الإيمان قولهم على لسان أئمتهم: "نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء" (5).
وقد كان لأهل السنة -ويسمونهم الشيعة بالنواصب- نصيب الأسد في هذه الهجمة التكفيرية من قبل الشيعة، ولشيخهم البحراني جمع جيد لمقالات أئمتهم المكفرة لأهل السنة، يقول في الحدائق الناضرة: "تمام تحقيق القول في هذا الفصل يتوقف على رسم مسائل: (الأولى) المشهور بين متأخري الأصحاب هو الحكم بإسلام المخالفين وطهارتهم، وخصوا الكفر والنجاسة بالناصب كما أشرنا إليه في صدر الفصل وهو عندهم من أظهر عداوة أهل البيت (عليهم السلام)، والمشهور في كلام أصحابنا المتقدمين هو الحكم بكفرهم ونصبهم ونجاستهم، وهو المؤيد بالروايات الإمامية".
لذلك أنصح بعدم مناقشة هذا الملف بمنظور ديني؛ فبعيدا عن نظرتنا للشيعة ومختلف الآراء بخصوصها؛ فنظرتهم لنا كأهل سنة صعبة جدا.
ثانيا .. الجانب السياسي:
العلاقات الفلسطينية السياسية التاريخية بإيران لم تنقطع والسياسة عمل قائم على المصالح؛ فماذا حققت هذه العلاقات للإيرانيين من جهة وماذا حققت لنا كفلسطينيين من جهة آخرى؛ فإذا عدنا لتجربة حركة فتح فسنجد أن ما حققه الإيرانيين من خلال علاقتهم بحركة فتح كان كبيرا جدا بالمقارنة مع ما حققه الفلسطينيين وحركة فتح من خلال هذه العلاقة في ذلك الوقت؛ فماذا يقول هذا الكاتب في بعض ماجاء في مقاله عن تلك الحقبة .
"ان العلاقة بين حركة فتح والثوار الإيرانيين كانت اكثر من كونها تحالفا، ولكن هنا لابد ان نسجل ميلاد حركة شيعية في لبنان حركة (أمل) بقيادة موسى الصدر والتي اسهمت حركة فتح بشكل كبير في تأسيسها وتزويدها بالسلاح وبالمدربين والمقاتلين اللبنانيين الذين كانوا في صفوف الثورة الفلسطينية، وذلك حرصا من حركة فتح على تقوية مبررات وجودها بحلفاء أقوياء على الساحة..
وأصبحت حركة امل قوة على الساحة اللبنانية أحدثت توازنا مع قوى محلية اخرى بجانب قوى الحركة الوطنية وعلى رأسهم (المرابطون).. وهنا دخل التشابك النفسي والتعقيد الطائفي الذي سنرى أثره بعد قليل.
انتصرت الثورة الإيرانية وكما قال قادة الحرس الثوري مؤخرا لقد كان ياسر عرفات هو من يهيئ لنا طرق السلاح طيلة السنوات الثلاث الأولى للثورة.
اعتبر ياسر عرفات ان انتصار الثورة الإيرانية سيعجل من صنع متغيرات إستراتيجية في المنطقة، لاسيما بعد خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي بعد توقيعها اتفاقيات كامب ديفيد، فكان انتصار الثورة الإيرانية معوضا كبيرا عن الخسارة الحاصلة بفقدان الدور المصري. كان يرى فيها حسب قوله النور الذي سيعم المنطقة والزلزال الذي سيصل الى كل العملاء والخونة والاستعماريين.
الا ان الأمور لم تستمر كما كان الثوار يشتهون، فأشعلت امريكا الجبهتين نارا جنونية ضد الثورة الفلسطينية وضد الثورة الايرانية.. احتشد المال العربي وبإغراء او اتفاق او أوامر من قبل الأمريكان، حيث كان رامسفيلد الأمريكي يقود عملية تسويق ضرب ايران.. احتشد المال العربي خلف الجيش العراقي في حرب ضروس ضد الثورة الإيرانية .. وتم تجنيد علماء السلاطين في دول الخليج الذين لم نكن نسمع لهم صوتا يحرضون ضد الشيعة مكفرين ولاعنين وكأنهم يكتشفون الشيعة حديثا ليعطوا بذلك غطاء ومبررا لمحاربة إيران.
كانت أمريكا إذ ذاك تعاني من أزمة رهائنها الدبلوماسيين وضباط “السي أي ايه” في طهران. وتحرك القادة الفلسطينيون للتوسط من اجل الرهائن ومن اجل ايقاف الحرب.. استجاب الإيرانيون للفلسطينيين وأفرجوا عن النساء والأمريكان السود.. ولكن مع تكرار طلب القادة الفلسطينيين للتوسط استاء* *الإيرانيون الذين ابلغوا الفلسطينيين انهم يريدونهم حلفاء وليس وسطاء.
وكان حرص الفلسطينيين ان تظل الثورة الإيرانية بعيدة عن الاستنزاف لاسيما وكل شيء في البلد منهار.. ذلك لإدراكهم أن ايران المعافاة هي التي تستطيع الوقوف مع الثورة الفلسطينية في مواجهة التحديات.. ولهذا اعتبروا هذه الحرب كارثة بالنسبة للشعب الفلسطيني قبل ان تكون بالنسبة لإيران، فلئن كانت ايران تحتمل الانشغال بالحرب سنوات فالفلسطينيون لا يستطيعون ان ينشغلوا بها أشهرا.
وجاءت حرب صيف 1982 والاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان وحصار بيروت لمدة ثلاثة اشهر قاتلت فيها المقاومة الفلسطينية ببسالة 88 يوما وشنت اسرائيل حربها جوا وبحرا وبرا، انتهت باخراج المقاومة من لبنان.. كان المشهد مظلما تماما.. الثورة الإيرانية تئن تحت وقع الصواريخ وقصف الطائرات لطهران والحصار الدولي الكامل والعزلة العربية والإسلامية.. فيما المقاومون الفلسطينيون يتوزعون على بلاد عربية لا يقع احدها على حدود فلسطين.
فترت العلاقات بين الطرفين وتنافرت السياسات وبحث الفلسطينيون عن حلفاء جدد في الساحة العربية تمدهم بأسباب الحياة والاستمرار فكانت علاقتهم تتوثق مع صدام حسين ودول الخليج وبدأ الإيرانيون يبحثون عن حلفاء في الساحة الفلسطينية وفي المنطقة حتى جاءت الانتفاضة وشيئا فشيئا وبعد ان تنامت حركات إسلامية جهادية في الساحة الفلسطينية: حركة الجهاد وحركة حماس، وجدت ايران ضالتها في هاتين الحركتين وأمدتهما بالمال والعون على كل الأصعدة.. وتعمقت علاقتها بالنظام السوري الخصم التقليدي لحركة فتح وياسر عرفات".
أتمنى قراءة ما بين سطور التجربة التي ذكرها هذا الكاتب.
يجب علينا التنويه لجانب مهم ونحن نتحدث عن علاقة حركة فتح بالنظام الإيراني وعلاقة فصائل المقاومة اليوم بهذا النظام وخاصة حركتي حماس والجهاد الإسلامي من حيث التوقيت والظرف وخلفية هذه الحركات؛ فالعلاقة بإيران في ذلك الوقت كانت مقبولة لبعض دول المنطقة وشعوبها بالمقارنة مع نظرة هذه الدول وشعوبها لمثل هذه العلاقة في هذه المرحلة؛ كما وان البعد الإسلامي الذي تحمله فصائل المقاومة أدخلها في دوامة تفسيرات كثيرة من قبل المتابعين في الداخل الفلسطيني والخارج وإنعكاسات ذلك بشكل عام على حاضنة المقاومة في الداخل والخارج.
حسب تقديرات الموقف التي أتفق معها بالرأي فإن المخطط الإستعماري في المنطقة يعمل على قدم وساق من أجل الحد وبشكل كبير من مخاطر النظام الإيراني وحلفائه وخاصة في ظل التمدد الرسمي للعدو الصهيوني في المنطقة من خلال عمليات التطبيع فلم يعد بحاجة كبيرة للفزاعة الإيرانية؛ وكل ما سيسعى له العدو في المرحلة القريبة المقبلة هو التأكيد لدول وشعوب المنطقة بأن القوى الحليفة لهذا النظام لا تقل خطورة عن هذا النظام نفسه وأن القضاء عليهم مسئولية الجميع وليس مسئولية العدو وحده فقط.
من أبجديات العمل السياسي هي قدرتك على إقامة علاقات متوازنة مع الجميع ولو بالحد الأدنى؛ وهذا ما تسعى للقيام به إيران على مدار الساعة؛ فلماذا نتبهرج في إستعراض علاقتنا بإيران في هذا الوقت الحساس؛ الا اذا كانت إيران وعلى حساب الرسالة التي تريد توجيهها لأمريكا و"إسرائيل" بأنها ليست وحيدة في المنطقة لا يعنيها حاضر ومستقبل حلفائها فالأهم بالنسبة لها هو أن تصل رسالتها.
ثالثا .. الجانب العسكري:
أعلم جيدا أن كل ما تم طرحه أعلاه لا يعني كثيرا كل شخص يؤمن بعمق بأهمية العلاقة مع إيران ويعود ذلك لأسباب موضوعية بالنسبة لزاوية نظر هذا الشخص؛ فإيران ومن خلال ما تقدمه لفصائل المقاومة ساهمت وبشكل كبير في تطوير القدرات العسكرية لهذه الفصائل؛ لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا وحسب الرؤية الإيرانية هل نحن قوة عسكرية في المنطقة لكي تقول ايران لهذا العالم أنا أملك قوة عسكرية خارج حدود ايران؛ أم أننا قوة عسكرية تعمل من أجل محاربة كل أشكال التمدد الإستعماري الصهيوني في فلسطين وتحرير الأرض الفلسطينية بشكل عام؛ أعلم أن صيغة السؤال مزعجة؛ لكنه الواقع الذي يجب أن نخاطبه بكل شجاعة؛ الإستيطان يتزايد ونحن نراكم القوة؛ جيد الى متى والى أين بلغة موازين القوة العسكرية التي أخضعنا أعمالنا المقاومة لموازينها من خلال عملنا على طريقة الجيوش النظامية.
ولكي أختم حديثي حول هذا الجانب فجيد أن تفهم ايران ونفهم معها كيف يمكننا تحقيق الهدف المشترك الذي يجمعنا الا وهو تحرير فلسطين؛ والا فمن غير المنطقي ان نواصل العمل وفق سياسات واستراتيجيات العمل فيها من اجل العمل فقط.
في الختام الشخصية الفلسطينية الرسمية والشعبية يجب أن تبقى قوية مستقلة من خلال نظرة هذا العالم لنا ونظرة الشعوب الإسلامية والعربية بشكل خاص لهذه الشخصية الفلسطينية العملاقة.