- تتكرّر في كلّ الأزمات التي تعصف بسورية العلاقة التبادلية بين الوضوح المبدئي والإستراتيجي، والغموض التكتيكي، فيحار العالم ماذا ستفعل سورية وما هي حقيقة موقفها، وكثيراً ما تظلم سورية من أصدقائها بالتسرع في التشكيك بثبات موقفها، من دون أن يلحقها الإنصاف بعدما تنجلي الصورة عن حقيقة مشرفة.
- منذ يومين تمتلئ المقالات ووسائل التواصل الاجتماعي والشاشات، بتحليلات تطاول موقف سورية من مسألتي الغارات الأميركية على داعش، وسقوط الطائرة السورية فوق الجولان.
- موقف سورية الدائم خلال السنوات الأربع من الحرب التي تشن لضربها، وضرب كيانها ودولتها وجيشها، له عنوان هو أن ما يجري هو عدوان يتخذ الإرهاب أداة له، وسوف يكتشف المتورطون في هذه الحرب، أنهم أطعموا قاتلهم ويستديرون لقتاله، لكن إذا استمر الكيد محرك مواقفهم فسيشتد ساعد الإرهاب ويتجذر.
- حدث ما توقعته سورية ولو بالمواقف المعلنة، للقوى والدول التي شنت الحرب عليها، وموقف سورية هو نعم لجبهة عالمية للحرب على الإرهاب، وأصر المتورطون على إدعاء إمكانية الانتصار على الإرهاب وسورية معاً، بعدما فشلوا وهم يستعينون بالإرهاب أن يهزموا سورية.
- تصاعد الموقف بين سورية وأميركا حول استهداف الحرب الأميركية أهدافاً في سورية من دون التعاون مع الدولة السورية، على رغم إعلان سورية وحلفائها في روسيا وإيران اعتبار ذلك بمثابة عدوان، وحدثت الغارات فأعلنت سورية أنها وضعت بصورة الغارات من قبل حدوثها بواسطة سفيرها في نيويورك، وأكدت شبكة «سي أن أن» وبعدها التقارير المقربة من البيت الأبيض ما قالته سورية، على رغم النفي الأميركي.
- لم تقل سورية إن كونها أخطرت بالغارات فهي تعتبر ما جرى شرعياً ومقبولاً، لكنها لم تقل إنها تعتبره عدواناً، ولم تقل إنها إذا اعتبرت أنها تقبل اليوم هذا الإخطار المسبق كتفسير لمضمون التنسيق، فهذا يعني أنها ستعتبره مقبولاً كل مرة، ولم تقل إنها إذا اعتبرت ذلك أو ما يشبهه عدواناً، فهي ستتصدى أم ستكتفي بتثبيت موقفها الديبلوماسي والقانوني، ولكن الشيء الأكيد الذي يشكل الضفة المقابلة لما قالته سورية، هو أنها ستواجه عند أول عملية تستهدف جيشها.
- الغموض يعني أن سورية تحدد موقفها الإستراتيجي، وتحافظ على الغموض التكتيكي لتظل المبادرة بيدها، وتقرر حالة بحالة على ضوء الحسابات السياسية والميدانية وموازين القوى الخطوة المناسبة، والمهم أنها تريد للملف أن يبق مفتوحاً وألا يغلق على صيغة تطمئن خصومها أنهم فهموا معادلة سورية.
- في الطائرة التي أعلنت «إسرائيل» إسقاطها فوق الجولان، كان أسهل شيء أن تقوم سورية بالرد والتصعيد وأخذ الجبهة كلها نحو التوتر، فينعقد مجلس الأمن للنظر في تهديد إضافي للأمن والسلم الدوليين، وسقف الطلب «الإسرائيلي» والأميركي العودة لفك الاشتباك الموقع عام 1974، والذي أعلنت سورية سقوطه بالغارات «الإسرائيلية» على جمرايا، واعتبر الرئيس بشار الأسد يومها أن الجبهة صارت مفتوحة، وصار مطلب «إسرائيل» العودة لاتفاق فك الاشتباك من يومها، بعد الفشل في وظيفة الغارات بمنع سورية والمقاومة تباعاً من تنفيذ عمليتي القصير ويبرود، وجاء رد سورية والمقاومة على الغارات عبر العمليات النوعية من الجولان ومزارع شبعا معاً، والتي قرأها «الإسرائيليون» قراراً مشتركاً بين سورية والمقاومة لتوسيع جبهة القلق «الإسرائيلي» لتطاول حدود فلسطين مع سورية ولبنان.
- كل مشروع الحزام الأمني «الإسرائيلي» بواسطة جبهة النصرة ورقة تفاوضية للعودة لاتفاق فك الاشتباك، فكان الرد السوري خرق إحدى الطائرات السورية للمناطق التي ينص الاتفاق على عدم تحليق الطيران السوري فيها، فردت «إسرائيل» بإسقاط الطائرة، وكان الجواب السوري غموضاً، والأرجح أن سورية ستقوم بتكرار الخرق، ولو كلف طائرة ثانية وثالثة، لأن الهدف هو بقاء المعادلة مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن يبقى بيد سورية القرار والمبادرة.
- ليس كل ما يبدو أشد جذرية هو فعلاً الأشد جذرية، الغموض هو ذكاء استراتيجي لا ينتبه له المستعجلون.
عن البناء اللبنانية