حض وزير الخارجية الأمريكية جون كيري الرئيس الفلسطيني محمود عباس على اتخاذ القرارات الصعبة . فما هي القرارات الصعبة التي تريد الإدارة الأمريكية من الفلسطينيين اتخاذها؟
كيري حددها كما حددها أوباما . القرارات الصعبة لا تعدو أن تكون القول للصهاينة نسلمكم فلسطين ونعتذر أننا ولدنا وعشنا فيها . فالاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني، والتنازل عن حق العودة هما المطلبان الجوهريان للإدارة الأمريكية . فهي تفاوض الفلسطينيين على التنازل عن حقوقهم التاريخية وعن حقوقهم التي كفلها لهم القانون الدولي، وعن حقوقهم التي أطّرتها قرارات الأمم المتحدة .
بعد ذلك، ماذا سيبقى للفلسطينيين؟ هذا هو السؤال التالي الذي ينبغي على المسؤولين الفلسطينيين أن يلقوه في وجه المسؤولين الأمريكيين . ومهما كان الجواب مغمغماً أو واضحاً فهو لن يكون سوى أن تبقوا في حالة لجوء حتى تجدوا من يستوعبكم عبر العقود القادمة، وربما القرون الآتية . إذا تم التنازل عن حق العودة فمعنى ذلك، أن الملايين من الفلسطينيين المشتتين في أرجاء الكرة الأرضية سيبقون كذلك . وما معنى يهودية الكيان الصهيوني سوى أن كل شخص يعيش داخله وليس يهودياً هو مجرد حالة طارئة واستثنائية ينبغي أن تبحث لها عن مكان آخر قبل أن تركل بالإجراءات العنصرية إلى خارجه .
هذه هي المطالب الأمريكية على حقيقتها من دون غطائها الدبلوماسي أو لغتها السياسية الغامضة . هي مطالب القوى البربرية في العصور الماضية من الجماعات التي تحتل أرضها من قبلهم لكن بقفازات حريرية . هي هكذا من دون مجاملة لأنها تخالف كل حرف من حروف حقوق الإنسان التي تصرخ بها القوى الغربية ضد كل من لا يتفق معهم من البلدان الأخرى . وهي هكذا لأنها تناقض كل ما يقوله القانون الدولي الذي وضعوا مواده حينما حققوا الانتصار في الحرب العالمية الثانية . وهي هكذا لأنها تنتهك القرارات الدولية التي هم أنفسهم وافقوا عليها حينما قرروا سرقة أكثر من نصف فلسطين وإهدائها إلى الحركة الصهيونية لأنهم أرادوا التخلص من اليهود في بلادهم، ولأنهم أرادوا كيانا ينفذ أغراضهم ويحمي مصالحهم في وسط المحيط العربي .
الإدارة الأمريكية لم يعد يهمها فقط كلمة "النزيه" وصفاً لدورها بل هي تخلت عن كلمة الوسيط في قاموس نشاطها في القضية الفلسطينية . فعملها أصبح محاورة "الإسرائيليين" حول ما يريدون ونصحهم حول كيف الوصول إليه، ومن ثم "مفاوضة" الفلسطينيين على تنفيذ ما يريده الكيان الصهيوني .
هذا هو حقيقة ما يجري . وكل من له صلة بما يسمى بالمفاوضات يعرف ذلك . ولكن الشعب الفلسطيني يعرف ذلك أيضا، ولن يسمح بتصفية قضيته وحقوقه .