تاريخ النشر: 2016-01-16 | 01:26
تاريخ النشر: 2016-01-16 | 01:26
هذه دعوة صريحة صادقة من قلب جريح ينزف دما على حال أمتنا ..و شعوبنا و أوطاننا ..
دعوة إلى اعتناق القوة الخفية فى العقيدة الربانية .. والحرص على معانيها ، والسعي إليها بكل ما يملك الإنسان من قوة ، وحين يصل أي إنسان إلى تحقيق هذا المعنى ويرابط عليه بقوة يصل إلى تحقيق أمانيه بأيسر جهد وأقرب طريق .
الإنسان فى واقعنا المعاصر فى حاجة ماسة لقوة تقهر بها ضعفه ، فيستمد منها أثره ، وتشكّل حياته ومستقبله ، ويعبّر الإنسان عن هذه الحاجة في نفسه بتعبيرات كثيرة و احتياجات متنوعة ..
و للعقيدة الربانية في حياة الإنسان قوة خفية ، ذلك أن الدين هو القيمة الحقيقية الأساسية للإنسان في الدنيا والآخرة، الإنسان بلا دين حق لا قيمة له، ولا يمكن أن تتحقق العبادة الحقة إلا بالعقيدة السليمة، لا من حيث منهج العبادة الشرعي، بل حتى من حيث الاعتقاد ابتداءً بالله -عز وجل-، وبأصول الإيمان الأخرى، والاعتقاد بالغيبيات، والاعتقاد بمنهاج الدين جملة وتفصيلاً على قدر مدارك الإنسان، فالإنسان إذا صحت عقيدته صح دينه، وإذا صح دينه صحت صلته بالله -عز وجل-، وإذا وصل إلى هذه الدرجة حقق السعادة المنشودة التي هي السعادة العظمى في الدنيا والآخرة، ولا سبيل إلى تحقيق هذه السعادة الدائمة إلا بسلامة العقيدة.
العقيدة الإسلامية ... هي الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان وأصول الدين وثوابته وكل ما ثبت عن الله -تعالى- وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- من الأمور القلبية والعلمية، والقولية، وأيضاً مناهج الحياة، بل ويشمل ذلك جانب التعامل مع الآخرين، وهذه نقطة مهمة؛ لأن كثيرا من الذين يتناولون أمر العقيدة يغفلون أو ربما يذهلون عن أن ثمرة العقيدة هي التعامل الظاهر.
و مصادر العقيدة هي مصادر الدين عقيدةً وفقهاً وهي الكتاب والسنة، وليس هناك مصادر غير ذلك، لكن بعض العلماء يذكر مصدر ثالث، وهو الإجماع , وهو ليس مصدر مستقل، بل عبارة عن حصيلة فهم النصوص، فأحياناً ينبني الإجماع على نص، أو على مجموعة نصوص، وأحياناً ينبني الإجماع على قاعدة أو قواعد أخذت من نصوص وأحياناً ينبني الإجماع على فهوم صحيحة سليمة من قِبَل الراسخين في العلم من النصوص، فعلى هذا الإجماع قد يعتبر مصدرا ثالثا، وقد يقال أنه مصدر تابع ..
و اختصت العقيدة الإسلامية بأنها ربانية المصدر ..
أي أن مصدرها من عند الله، وأنها لم تتغير ولم تتبدل، وهذا يطمئن النفس أنها خير لأنفسنا، وأن السعادة تكمن في تنفيذها، وأن الشقاء يترتب على تركها:
أ. فالخير والبركة والسعادة ووفرة الإنتاج كلها من بركات تطبيق الشريعة المبنية على هذه العقيدة: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (96) سورة الأعراف. وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} (66) سورة المائدة.
ب. وما دامت ربانية من الله عز وجل فإنها مبرأة من النقص، سالمة من العيب، بعيدة عن الحيف والظلم، لأن الله له المثل الأعلى في السماوات والأرض {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} .. (82) سورة النساء.
ج. ومادامت ربانية فهي التي تشبع جوعة الفطرة للعبادة لا يسدها إلا منهاج الله، ولا تملأها النظم الفلسفية، ولا السلطان السياسي، ولا الثراء المالي.
وهذه الجوعة الفطرية للجوع (تحول) إلى قوة عليا تبرز بادية للعيان أمام الأعاصير والكوارث والمحن، فهذا (ستالين) الذي كان يقول: (لا إله والحياة مادة، والدين علقة تمتص دماء الشعوب) يضعف أمام هول الحرب العالمية الثانية، فإذا به يخرج القساوسة من السجن حتى يدعو له بالنصر، ومرة ثانية أمام شدة المرض يرسل وراء القسيس حتى يصلي له ويستغفر.
د. ومادامت ربانية فالناس أمامها سواء لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، فالله خالق الناس أجمعين فكلهم عبيده، وهو لا يفضل لونا على لون. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (97) سورة النحل.
ولذا فهي العقيدة الوحيدة التي تنصف الناس وتعدل بينهم، والناس يقفون فيها على قدم المساواة حاكمهم ومحكومهم سواء{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (115) سورة الأنعام.
وهذه العقيدة الربانية لها قوة خفية فى النفس البشرية ذلك أنها ثابتة .. وثبات العقيدة ناتج عن أنها منزلة من عند الله، وقد انقطع الوحي بالتحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى من الجنة، وبقيت النصوص ثابتة إلى يوم الدين لا ينسخها ناسخ ولا يبدلها كافر.
قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30)سورة الروم.
والإنسان يتحرك ويتطور وينمو، ولكن داخل إطار العقيدة الثابت الذي يتسع لحركة الإنسان ونموه، وإذا خرج الإنسان من الإطار الثابت فإنه يسبح كالنجم الذي يفلت من مداره، ويسير إلى نهايته التي تؤدي إلى اصطدامه بكوكب آخر، فيتحطم ويحطم معه غيره.
ولا بد من شيء ثابت يرجع الناس إليه، حتى يطمئنوا ويستريحوا ويكون عندهم مقياس يعرفون طول الأشياء وعرضها ووزنها، أما الذين يقولون بأن كل شيء متطور في الحياة حتى الدين والأخلاق والنظم، فهذا يؤدي إلى فوضى كبيرة، فلا نعرف الحكم على أي شيء.
وفى الختام .. اختم مقالاتى بما رواه الإمام أحمد من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال : سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا كَنَز الناس الذهب والفضة فاكْنِزوا هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات على الأمر ، والعزيمة على الرُّشْد ، وأسألك شُكر نعمتك ، وأسألك حُسْن عبادتك ، وأسألك قلباً سليماً ، وأسألك لِساناً صادقاً ، وأسألك من خير ما تَعْلَم ، وأعوذ بك من شر ما تَعْلَم ، وأستغفرك لِما تَعْلَم إنك أنت علام الغيوب "
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين .