الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي

الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي

تاريخ النشر: 2026-01-17 | 10:32

في عام 1453م، وبينما كانت مدافع السلطان محمد الفاتح تدك أسوار القسطنطينية، تُروى – بوصفها مثالاً لا تقريراً حرفياً – حكايات عن نخبة من فقهاء ولاهوتيي الإمبراطورية الغارقة بالفساد. في قاعات مغلقة، كانوا يستهلكون وقتهم في جدالات عقيمة حول قضايا هامشية، من أشهرها الجدل حول طبيعة الملائكة؛ أذكوراً هم أم إناثاً؟ وعن عددهم الذين يسيرون على رأس إبرة!
سواء صحت الرواية تاريخياً أم لا، فقد خلّدها الوعي الإنساني رمزاً لحالة الانفصال التام بين النخبة وواقع الانهيار. سقطت الإمبراطورية التي ظنت أسوارها منيعة، وبقي ذلك النوع من الجدل وصمة فكرية عُرفت لاحقاً بـ «الجدال البيزنطي»؛ أي الاشتباك في الهوامش بينما ينهار الجوهر.

البيزنطية الحديثة من السذاجة إلى الصناعة:
اليوم، لا يبدو أن التاريخ يكتفي بتكرار نفسه، بل كأنه طوّر أدواته. فما نشهده من دفاع محموم عن أفكار مشوهة، وتوجهات لا تسندها فطرة ولا منطق، يشبه إلى حد بعيد «بيزنطية حديثة»؛ لكنها هذه المرة ليست مجرد سذاجة أو عمى بصيرة، بل في كثير من الحالات صناعة مدفوعة الأجر. لم يعد الجدل عبثاً بريئاً، بل أصبح سلعة تُسوَّق، ولساناً يُستأجر، وقلماً يُشحذ لا للاقتراب من الحقيقة، بل لإغراق الوعي العام في تفاصيل ثانوية ومعارك مصطنعة.

إستراتيجية الدخان وكلفة الامتيازات:
الهدف واحد مهما تعددت الأقنعة والأسباب، وهو إشغال الناس بالدخان كي لا يروا الحريق الذي يلتهم الأساس خلسة وبصمت. وعندما ترى دفاعاً أعمى عن باطل فاضح، فلا تتعجل افتراض حسن النية دائماً؛ فأحياناً لا يكون الأمر اختلافاً في الرأي، بل أداءً لوظيفة، وتنفيذاً لدور، واستثماراً في الضجيج.
صحيح أن بعض هذا الجدل تحركه قناعات مشوهة أو جهل أو خوف من القطيع، لكن الأخطر هو ذاك الجدل الذي يعرف أصحابه الحقيقة جيداً، ثم يلتفون حولها لأن الكلفة الأخلاقية أقل من كلفة خسارة الامتيازات.

المؤسسات المترهلة وكهول الانتهازية:
ولا يقف الابتذال عند حدود «الكلمة المأجورة»، بل يجد بيئته المثالية في مؤسسات ترهلت كوادرها حتى تحولت إلى مزارع فكرية مغلقة. في هذه البيئات، يتكاثر كهول التلون والانتهازية، يتنقلون بين المواقع لا بحثاً عن معنى أو تجديد، بل عن مصلحة وجاه.
مؤسسات كهذه لا تنتج معرفة، بل تعيد تدوير الوجوه والخطاب، وتحارب الاختلاف باسم الاستقرار، وتخنق الحيوية باسم الخبرة. وهي على النقيض تماماً من أي كيان حي، حيث تتعاقب الأجيال، ويُفسح المجال للصعود الطبيعي لا للتكلس الأبدي.

خاتمة:
إن الوعي هو طوق النجاة وفي نهاية المطاف، سيهدأ الضجيج، وتذوي وتذوب أصوات الجدال المفتعل، ولن يبقى في ذاكرة التاريخ سوى الوقائع العارية. «البيزنطيون الجدد» الذين استبدلوا ضمائرهم بمنافع عابرة، وباعوا بصيرتهم في سوق المزايدات، واهمون إن ظنوا أن الجدل سيحمي مواقعهم الهشة؛ فالتاريخ لا يحفظ الصراخ، بل يحفظ المواقف.
إن حماية المجتمعات من هذا الانحدار لا تبدأ بكثرة الردود ولا بطول السجالات، بل بكشف اللعبة نفسها، برفض الانجرار إلى المعارك الجانبية، وبالتمييز بين الاختلاف الصادق والجدل الوظيفي. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى عقول لا تُستأجر، وضمائر تدرك أن المنفعة العابرة ثمن بخس مقابل سقوط أخلاقي طويل الأمد.

×
أخبار
مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط