قال تعالى: (( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون )). الأخوة الكرام- إن الكلمة كالرصاصة إن خرجت من فوهة المسدس أو البندقية فمن المستحيل أن تعود، فإن خرجت إما أن تكون في مكانها وزمانها ووضعها المناسب فيؤجر الإنسان عليها؛ إن كانت ضد العدو الغاصب المحتل، وكثيرًا للأسف تكون الرصاصة تنطلق لتخرج في الوقت والزمان والمكان غير المناسب والشخص الذي لا يستحق ذلك القتل، فتصيبهُ في المقتل، مما لا يدع مجالاً للإصلاح لأن الجرح غائر بل قاتل ومميت. يجب أن يكون الفيس هو كما يسمي موقع التواصل الاجتماعي وليس موقع الفتنة والقطيعة الاجتماعية والتخريب وتدمير العلاقات بين إخوة الدم والدين والمصير- لذلك نهيب بكم وأنا أولكم بان نكون مفاتيح لنشر الخير ومغاليق للشر- فكل إنسان بما ففيه ينضح - فمن كانت أخلاقه حسنة عالية سيخرج العسل والخير، ومن كان غير ذلك فسيخرج الغث - إن الكلمة أمانة ومسؤولية أمام الله وتذكروا قول الله عز وجل:" ما يلفظ من قول إلا لديهِ رقيبٌ وعتيد" فهناك من الملائكة ملكان هما: رقيب على اليمين، وعتيد عن الشمال يسجلان كل شيء ستجدونهم بصحائفكم يوم القيامة؛ فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن لم يجد خيرًا فلا يلُومن إلا نفسهُ، وقد جاء في الأثر أن أحد الناس قد صفر بفمه أي أخرج صفير فقال الملكان ماذا نكتب ما قال: " قالا نكتبُها صفير وعلى الله التدبير" فالكلمة امانة والكلمة مسؤولية أمام الله فبالكلمة تدخل الإسلام وبكلمة تدخل الكفر وجهنم، وبكلمة تستحل فرج زوجتك ، وبكلمة تصبح زوجك محرمة عليك؛ فالكلمة السيئة هي نقمة على قائلها وشر مسجل بصفحات سيئاته يوم القيامة والكلمة الطيبة الكلمة الطيبة صدقة لما لها من مزايا عديدة تقرب القلوب وتذهب حزنها وتمسح غضبها وتشعرنا عندما نسمعها أننا في سعادة وحبذا لو رافقتها ابتسامة صادقة، والمـراد بالكلمـة الطيبـة هي التي تسر السامع وتؤلف القلب، وهي التي تحدث أثرا طيباً في نفوس الآخرين، وهي التي تثمر عملاً صالحاً في كل وقت بإذن الله؛ وهي التي تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر؛ ومن خصائـص الكلمـة الطيبـة أنها جميلة رقيقة ورقراقه لا تؤذي المشاعر ولا تخدش النفوس جميلة في اللفظ والمعنى يشتاق إليها السامع ويطرب لها القلب نتائجها، مفيدة، وغايتها بناءة، ومنفعتها واضحة الدعـوة إلـى الكلمـة الطيبـة في القرآن الكريـم، قال الله تعالى :- (( وقولوا للناس حسناً )).وقال سبحانه:-(( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن )) وقال سبحانه :-(( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه )).الدعوة إلـى الكلمـة الطيبـة فـي السنـة النبويـة؛ قال صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة))، قال صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه بها درجات ……)) وعكسها الكلمة السيئة! وقال: (( والكلمة الطيبة صدقة )) وقال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت )) (( وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( في الجنة غرفة يُـرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها)) فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات والناس نيام)). أما لو تطرقنا عن الكلمة السيئة وخصوصاً ما أصبح يتداول اخيراً علي مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك من تجريح وتشكيك وتخوين لبعضنا البعض امراً محزناً حقاً. علينا أن نعيد صياغة الكلمة لتكون في الخير، ونحاول فهم معانيه من جديد علينا أن نتمهل قبل الشروع بالقتل بكلماتنا كالرصاصة التي تخرج دون عودة؛ علينا أن نتمهل قبل أن نشهر سيوف حروفنا، أنني أتساءل هل الذي قتلناه بكلماتنا قادر على المسامحة في كل الأوقات؟ أظن أن لكل قلب ولكل روح طاقة معينة وحد معين.. قد يفقد القدرة على المسامحة بعد نفادها هل لنا أن نتحكم ونراقب مسدسات أفواهنا وأقلامنا حتى لا تنطلق منها كلمة قاتلة، وإن لم تقتل فلابد أن تجرح بعمق؟. علينا أن ننتقي من حروفنا وكلماتنا الأجمل والأنقى والآصفي لأننا نعيش وسط أناس لهم من المشاعر والأحاسيس الرقيقة الكثير والكثير. يقول علماء النفس : إن الكلمات الجارحة سميت جارحة لأنها تسبب جروحاً حقيقية في الدماغ ، وتميت عدة خلايا أو تتلف عملها مسببة نوعاً من العطل في التفكير ، ولهذا يعاني الشخص المجروح آلاماً نفسية و شعوراً سلبياً واحباطاً ، ليس هذا فقط بل كثيراً مآْ يتحول الشخص المجروح إلى شخص فاشل غير منتج. والمطلقون الرصاص كثر في هذه الأيام..، يجرح الأهل أطفالهم في لحظة الغضب و يهينونهم ، ثم يتساءلون لمَ اطفالنا اغبياء ، وأقل تفوقاً من ابناء الاخرين ..! ويجرح الزوج الغاضب أو النّكِدْ زوجته ثم يتساءل لم هي باردة شاحبة بليدة ، و لم لا تبتسم و تتفاعل بخفة كما تفعل الاخريات .. !! و يجرح الأخ أخاه و يسبب له آلاما نفسيا و خيبة أمل فما أحلى الأخوة من غير جروح و أحزان وفي المقابل فالكلمات الطيبة المعسولة ، سميت كذلك لأنها تخلف في الدماغ ذات الاثر الذي يخلفه تناول السكر او العسل ، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى العظيم وأكّد على فضل الكلمة الطيبة وعظم أجرها وذلك لما تسببه الكلمة الطيبة المعسولة من تقارب القلوب وغسل النفوس وتطيبيها وبالمقابل حذّر عليه السلام من كلام الشر بل إن الكلمة الواحدة قد يلقيها المرء لا يلقي لها بالا تهوي به في النار سبعين خريفا كما جاء في نص الحديث ( إن الرجل ليلقي الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا ) قالوا : ليس استحقاق مسافة السبعين خريفا في النار لذات الكلمة بل بسبب نتائجها وما ينتج عن هذه الكلمة من تفرق القلوب وقطع للأرحام والظلم الذي يقع بسبب هذه الكلمة فيستحق بسببها قائلها الدخول في النار بل ويهوي في قعرها مسافة سبعين خريفا فاللهم السلامة ولذلك كانت الآية الأخرى واضحة صريحة : ( ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ) ولكم أن تطلقوا عقولكم في التفكير كيف أن الله ربط بين الكلمة والشجرة فالشجرة الطيبة أو الخبيثة في الآيتين أصلها وأساسها " كلمة " وقد عظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وخافوا من الوقوع في مزالق الافتتان في كلام الشر فها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك لسانه بيديه ويقول " أنت الذي أوردتني المهالك " مع أن الله بشره بالجنة على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام. علينا جميعًا أن نتقي الله فيما قد بقي من عمرنا، يغفر لنا الله ما قد بقي، وأن نكون سفراء سلام ورحمة ووحدة ومحبة، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وأن لا نكون معاول هدم، وأن نستعمل التكنولوجيا الحديثة اليوم للدعوة إلى الله عز وجل، ولنكون بأخلاقنا الحسنة سفراء سلام للإسلام وللعالم في كل مكان فالدنيا عارية زائلة وظل مسترجع، ونحن ضيوف على ظهرها، سرعان ما نرجع للدار الآخرة الباقية.
د. جمال محمد أبو نحل/ أستاذ الفلسفة في المناهج وطرائق التدريس.