مر عيد الفطر على غزة الشهداء والبيوت المُدمرة... غزة التي ولدت وحيدة وعاشت وحيدة وستبعث حتماً وحيدة... غزة التي هام أطفالها على وجوههم وانتهى بهم المطاف إما في القبور أو في ملاجئ الأيتام... غزة التي وجد ربع سكانها وأكثر أنفسهم بلا سقف ولا جدران... غزة التي ما زالت تنصب الخيام على ركام الدمار... غزة التي أرادوا تمريغ كرامتها في وحل الإنقسام مرة وفي مستنقع التخلي عن مسؤوليات البعض عنها ألف مرة... غزة التي احترقت واكتوت بنيران الردة وتساقط أوراق خريف العروبة والاحتراب في كل مكان... غزة التي تاهت بين العواصم التي انحسر فعلها وتهاوت وسقطت في أيادي الغرباء ودِيست كرامة عروبتها تحت نعال الأدعياء... ها هي اليوم تستعد لاستقبال عيد الله أكبر... عيد النحر العظيم... عيد سيدنا ابراهيم وسيدنا اسماعيل... عيد من أسلم نفسه إلى الجبين... عيد من رأى في المنام "أني أذبحك"... فكانت الطاعة والاستسلام لقدر الله "يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ"... فصبراً آل غزة صبراً إن موعدكم الجنة... ولن يكون موعدكم الذبح في يوم النحر العظيم... فمن رفع سكيناً واقترب بها من رقاب أهل غزة سترتد إلى نحره... لأن في غزة شمشون... وفي غزة هاشم... وفي غزة انهزم الغازون على مدار التاريخ... وسيُهزم حتماً الذين تآمروا ومازالوا على غزة الوزير وغزة الخلف والعدوان والنجار... وغزة الحسيني وجيفارا والسالمي والعمارين... لأن فيها قوماً جبارين... ويُحاكم تاريخها اليوم صغاراً مراهقين... فالله أكبر لغزة... والله أكبر على من أراد لها سوءاً...
الله أكبر... الله أكبر... ستُرددها آلاف الحناجر بعد أيام قليلة... الله أكبر... الله أكبر... على كل من طغى وتجبر ستنطلق من قلوب ملايين المعذبين على امتداد مساحة الوطن... إنها كلمات التكبير التي لا تُنطق بغير لغة الضاد... إنها الرد الأقوى في وجه من جعلوا من غزة حقل تجارب تارة بالتخلي عنها وعن عذاباتها وطوابير العاطلين الخريجيين من جامعاتها وتارة بزجها في أقوى حروب جعلت الموت يسكن في كل شبر من أرضها وجعلت من الهروب وركوب أمواج الموت في بحار ومحيطات الغربة أول خياراتها...
وماذا بعد؟؟!!
إن غزة أول الرصاص وأول الحجارة لا تستحق كل هذه العذابات... وأن غزة أرض الأنبياء وموطن الشهداء لا تكافئ هكذا... فغزة التي انتظرت ما سيقوله رئيسها في الأمم المتحدة مستحضرة في ذهنها صورة الرئيس الراحل ياسر عرفات لم تقبض في يدها جمراً ولا تمراً بل قبضت هواءاً وفراغاً واستمعت إلى خطاباً انشائياً بلا مضمون... فغادرت غزة شاشات التلفاز وسط انقطاع الكهرباء... لتنام على كوابيس الغربان التي تنعق من وسط ركام البيوت المهدمة... وترى في أحلامها صور الطائرات تقصف حتى المقابر... فما عسانا أن نقول غير الله أكبر... الله أكبر... وأن ليل غزة سينجلي وقريباً جداً... لأن الظلم ورحلة الظلام لا ولن تدوم طويلاً... وفجر غزة لابد أنه آت... آت... وكل عام وشعبنا في الوطن والشتات بألف خير... وكل عام وغزتنا الحبيبة والحبيسة بألف خير...