دائما نعترف أننا لسنا صالحين بما يكفي
هذا الاعتراف بداخلنا لا يأتي من فراغ
يزرعه الله بأرواحنا حتى لا نضل طريق الرجوع إليه.
كل يوم بين حين واخر يُشعرنا بغصة حتى تردد ألسنتنا يا الله كم نظلم أنفسنا ونحن نغرق بالمرح والفرح ولهو الحياة وننسى ذِكرك.
تلك الغصة تنبهنا لوجوده لنردد أنت الأكبر ووجودك الأعظم.
نبكي لذنوبنا الصغيرة التي ربما لا نستشعرها، والكبيرة أحيانا.
وسع كل شيء برحتمه ويردنا ردا جميلا.
يخاصمني قلمي منذ وقت طويل، كنت أشاهد قصصاً كثيرة تناديني حتى أنسج حروفها ،أخططها بذاكرتي دون نزفها على أوراقي.
مواطنون يهيمون على أوجههم لا يدركون أين المسير ضاقت بهم ظروف الحياة، كل ذنبهم حكام لا يبحثون عن مصالحهم.
شباب بعمر الزهور تاهت أحلامهم على قارعة الطرق، وجهتهم ميناء وبحر ملوث،يصطنعون الضحكات والانبساط وحين يغادرون المكان تنهال عليهم حقيقة الوجع الدائم.
فتيات وصلن لسن الزواج ولا يجدنه لأن الشباب لا مستقبل لهم، ولا يملكون ثمن خاتم الزواج ليقدمونه لهن.
يوهمن أنفسهن بالحب ويستمعن لأغاني رومانسية ويعشن وهم وجود فارس الأحلام الذي يشعرهن بحلاوة الحياة ورقتها، ويتزينن كل دقيقة من أجل فارسهن الوهمي.
زوجات مقيدات بسجل الزواج لكنهن بالحقيقة يعشن بهذا السجل منذ زمن لحماية أطفالهن من التشرد بين زوجين منفصلين.
عتبات المحاكم ملئى بنساء يسعين لضم أولادهن إلى أحضانهن بعد جبروت زوج رأى أن منه حقه أن يجعل امرأة تمضي ليلها تبكي لأنها حُرمت من سرد القصص لأطفالها قبل نومهم، تتحسس أجسادهم عبر الصور وكبيرها الاتصال بهم وتقبيلهم الكترونيا وتمارس أمومتها عبر أجهزة أصماء، تنشد الحب لهم وتناجيهم لمواساتها.
بشاعة ، فقر ،جوع يدمر الجمال.
في غزة حصريا لأنني أعيش فيها أعرف الفرح الذي يغتاله الحزن في دقيقة.
الحلم الذي يغتاله اليأس منذ ولادتنا.
الرقص الذي يتحول لموسيقى حزينة ترديه في تابوت الانطواء.
ليس من حقنا شيئا إلا التصنع.
فقط نحفظ أسماءنا وتواريخ ميلادنا التي تمر باحتفالاتنا أننا كبرنا.
كبرنا ونحن لا نخطو خطوة تستدعي الفرح.
مرضى نحن باليأس ونحاول التجديد لكنه يعود ليذكرنا أنه موجود.
حزنت جدا على تلك التي ماتت وهي تضع مولودها بخطأ طبي،صرخ صرخاته دون أن تسمعها وتُحييها، والمخطئ يبرر أنه قدر والخطأ ليس منه ويحصل على صك الغفران بثانية.
حزنت جدا على تلك العائلة التي ضاع طفلها لأنها لا تمتلك غاز الطهي ومات بلسعة كهرباء كانت أمه تطهو عليها، وترحمنا عليه بسهولة دون الوقوف على سبب الجريمة.
حزنت جدا على تلك الفتاة التي تجهز لعرسها ولم يكتمل تجهيزها لأن مهرها لا يكفي.
غزة تئن ليس من الحروب الهمجية فقط ولكن من ظروف عديدة وليدتها وأقساها ظلم النفس للنفس.
الكل يحتاج لتلك الغصة ليستشعر وجود الله وتعيده من ظلمه وجبروته إلى الرحمة.
تائهون ونتجاوز الغصة ونعتقد أنها حدث طارئ دون استشعار تنبيهها لنا.
كلنا بحاجة إلى صعقة كهرباء لتنبيهنا حتى نعود .
عندها سنستشعر حلاوة الحياة.
لا أعرف ماذا أكتب ولم أخطط وكل ما يأتي على خاطري أنسجه دون إرادة مني.
كخصمان يلقيان بعد غياب أنا وقلمي، نتلعثم بالبوح،وكالمشتاق يتلهف للحديث عن كل شيء في دقيقة.
عن الحب ،عن النعناع الذي أرويه كل مساء، ليرويني بلونه الأخضر وتخضر روحي.
عن الوردة التي أنظر لها وأواسيها إن ذبلت وأهمس لها مكانك كتاب ثري بالكلمات الجميلة والتعيسة حتى بعد ذبولك.
حظ تلك الوردة أجمل من حظنا بعد ذبولها تجد الكتب لتحتويها وتحتضنها،ونحن بعد ذبولنا يحتوينا الثرى وربما الجاف.
لا أقسو بحروفي البائسة هي حقيقية،لماذا أتصنع الجمال وهو معدوما.
قد نتلبس التفاؤل لكن الخوف من الاَتي يقضي عليه.
في غزة كل شيء وارد في دقيقة ويحول الفرح إلى ركود .
لكننا نحاول دائما ولا نجعل الإحباط يردينا قتلى ونحن على قيد الحياة.
نغني، ونسير ونرقص ونحب ونعشق ونختار الملابس والموسيقى والألوان لنتجدد.
نعاود الكرة كل يوم ونحافظ على انسيابية حياتنا.
الفضل لتلك الغصة التي تجدد أرواحنا لننادي يا الله أنت الأكبر على كل الظروف التي تغتالنا.
لا تستهينوا بها توقفوا عندها وعيشوا كل تفاصيلها هي المنجية من كل الركود.
المجد لتلك الغصة .