تاريخ النشر: 2019-03-07 | 23:40
تاريخ النشر: 2019-03-07 | 23:40
المقدمة:
بداية العدو يعلم في توراته أن فلسطين قضية دينية وهي محور كوني، وهي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، لذا يعرف أن المعركة تبدأ من الشام، وهذا مصداقاً لقول الله تعالى: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا. (الإسراء آية:5)، وأن بقاء أي طائفة أو جماعة تقاتل سيَعُمُد بكل الوسائل لتقويضها وتدجينها من خلال الاتفاقيات الباهته، فعليه نحن اليوم بين خيارين قادمين إما الاستسلام ويقودنا إلى التراجع والانحسار وارتضاء الكيان الصهيوني أن يكون الجسم السرطاني في الأمة، أو الجهاد في سبيل الله ودحره وتفتيت مشروعه الكولونيالي السرطاني، فيجب على الواقع الفلسطيني الانتباه بين مخرجات الاثنتين، فيجب العمل في هذه الأوقات العصيبة على أن تكون فلسطين هي الهدف السياسي الكبير لكل الأمة والهدف الجهادي لطليعة هذه الأمة، وعليه يجب أن تجمع المعطيات السياسية للوصول لمشروع المواجهة الأممية مع تلاحم طلائع المقاومة هي رسالة مهمة وفي غاية الأهمية في تفتيت وإجلاء اليهود عن أرض فلسطين.
جاءت هذه النظرية لأنها تتوقع مزيداً من الترهل في القضية الفلسطينية ومزيداً من التمزق، كما جاءت لترد على الحلول التصفوية التي تستهدف الحق الفلسطيني وشعبه؛ دون استكمال كل حقوقه، والمتمثل في أكبر حق لديه تفكك الكيان الصهيوني الكولونيالي السرطاني ودحره من أرضنا، وتفكيك مشروعه القائم في الأمة، فخطة الحركة الصهيونية تدشين الاتفاقيات والمعاهدات الأمنية للحيلولة لنهوض الإسلام الشعبي الرافض للاحتلال المركزي والعالمي، كما يجب إعادة الاعتبار للحمة الأمة العربية والإسلامية كوحدة واحدة في صد أي عدوان غاشم على أي منطقة من مناطق الوطن العربي الإسلامي، فانطلاقاً من الدعوة إلى الله، لتمكين الإسلام في حل القضية الفلسطينية والذي لا نرضى سواه في حل قضيتنا، فكان الإسلام ذي بدء حاضراً في تحريك المواجهة بين الشعب الفلسطيني والانتداب البريطاني، وما أن أدرك العدو خطورة الإسلام في المواجه حرك الفرق القومية لتحرير فلسطين، وما إن اشتدت المواجه أسست منظمة التحرير، وما إن اشتد الصراع تخلى العرب عن الدعم لمنظمة التحرير حتى أصبحت القضية خالصة فلسطينية فتدحرجت القضية من إسلامية فعربية ففلسطينية، فلذا أدركنا أن الإسلام هو الذي يرعب العدو في تطلعاته الصهيونية الإحتلالية، والإسلام له مكانة كبرى في إدارة الصراع، فلذا سنعمل على إعادة الإسلام كمنهج لتحرير فلسطين والقدس، فالنظرية السياسية لها إستراتيجية تقوم على ثلاثة استراتجيات:
1. البقاء على النهج السياسي الذي يقول أن العدو هو عدو واحد لكل الأمة العربية والإسلامية متمثلاً بالمشروع الصهيوني عالمياً،
2. عدم التماهي مع أي حل مع الكيان الصهيوني والإقرار به والعمل جاهداً على ممارسة حقنا كشعب فلسطيني في تفكيك الكيان الصهيوني الكولونيالي، وعلى رأس هذا الحق الجهاد في سبيل الله،
3. محاولة التنبيه للأخطاء والإصلاح الداخلي حتى يستقيم الدرب ونكون مجتمع موحد ليس متأزم وتابع للفرقاء فهويتنا الفلسطينية وديانتنا الإسلامية تجمعنا،
فعليه كانت طريقتنا بين "الدعوة والبيان والبلاغ، وتجميع الأمة وتحشيدها على أساس الإسلام الذي يعطي الحق كاملاً لاسترداد الحق المسلوب (فلسطين) ويعطي الحق للأمة دفاعاً بكل ما تملك عن الأرض المسلوبة والتي تعتبر أرض مقدسة عندهم، وصولاً لنظرية البناء والإعداد والتدريب"(1)، وهذه المرحلة التكوينية مرحلة الدعوة بفقهها الدعوي، القائم على جلاء العقيدة، ونقاء الإيمان، وقوة الحق(2)، وفكرها السياسي، القائم على بناء الفرد، وبناء الجماعة سياسياً من خلال التركيز على هدم مشروع الكيان الصهيوني الاحتلالي، وصولاً للأمة المسلمة التي تدرك دورها في الجهاد في سبيل الله والتحرير، إن فقدان الأمة المسلمة الواحدة في دورها القيادي لإجلاء الحركة الصهيونية العالمية من أرضنا هو سبب في تحول هذه الحركة لكيان غاصب متغطرس، يتمدد طوال فقدانها للممارسة حقها في التصدي لها وله، ففقه الدعوة قائم على "قاعدة الإيمان والتوحيد، والبرامج التربوية الإيمانية القائمة على المنهاج الرباني (القرآن والسنة)، وفهم الواقع من خلال منهاج الله"(3) لتكون قاعدة لبناء الجيل الرباني، للانطلاقة نحو الجهاد والتحرير والمضي إلى إعلاء كلمة الله لتكون هي العليا(4).
هذا الجيل (الطليعة) يستطيع أن يفتح الميادين، وخاصة ميدان العلم والتربية والبناء، وميدان الإعلام والتحريض، وميدان الفقه السياسي الشرعي؛ المتمثل بنظرية الأمة المسلمة الواحدة، المعتنقة لمنهج أهل السنة والجماعة وهو المنهج الفطري والذي تعتنقه كل الشعوب المسلمة، والتي تتبني الصراع المنهجي ضد المشروع الصهيوني من خلال الوعي والإعلام، وتذخير شباب باقي الأمة لرفض المشروع الصهيوني بقيادة الصهيونية العالمية، وميدان الجهاد والمقاومة من خلال امتلاكه أدوات الصراع واحترافه السياسي والقتالي.
ولهذا كان منهج أهل السنة؛ منهجٌ شعبيٌ جماهيريٌ واقعيٌ، كان له أكبر الأثر في تاريخ الأمة السياسي من خلال وقوفه مع الدولة والخلافة، ووحدة الأمة، وإقامة الجهاد(5)، هنا نستنبط أن منهج أهل السنة والجماعة والمتمثل بالمنهج الإسلامي التقليدي والفطري هو القادر على تحقيق نظرية الأمة المسلمة، والتذكير بأن الجهاد مثله مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، وهي أركان الإسلام لا تحتاج إذن من أحد، فالكل من المسلمين يصوم ويزكي ويصلي ويحج دون موافقة ولي الأمر، لأنها أركان الإسلام يجب على كل المسلمين أن يفعلوها، فالإسلام هو القادر على عقد المؤتمرات العالمية من ملايين المسلمين، وذلك في موقف واحد موحد، كما هو في الحج والوقوف على عرفات، والإسلام هو القادر لرص الصفوف في صلاة واحده تعجز عنه جيوش منتظمة، والإسلام هو القادر ليجعل الأمة تصوم في أيام معدودات في وقت واحد.
فالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج أركان الإسلام مثلهم مثل الجهاد، فحري علينا كأمة تعرف غايتها، والمتمثلة في رضا الله والجنة، وأن جهودها لابد من استثمارها في مقارعة وجهاد الكيان الصهيوني، وأن طاقتها تستوعب المسلمين في أمة مسلمة واحده، تستطيع أن تزلزل الكيان الصهيوني بتضافر جهودها وتعانق طاقتها، كما أن جهادها سيهديها إلى طريق النور والرشاد، واستلهام الهدى المبين، وقد خص الله تعالى فيهم قوله ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾(6) ، فالجهاد هو الذي حافظ على الإسلام (الدين)، والإسلام (الأمة)، والإسلام (الدولة)، والإسلام (الحضارة)، أمام كل التحديات التاريخية الخطيرة، التي واجهها العالم الإسلامي مدة ثلاثة عشر قرناً(7).
ومن الأسباب التي جعلت منهج أهل السنة والجماعة منهجاً شعبياً جماهيرياً عاماً(8)؛ يحقق فكرة ونظرية الأمة المسلمة الواحدة سوى ما سبق ذكره هو:
1. أنه كما لا يحتاج الدخول في الإسلام إلا إلى الإقرار بالشهادتين، فكذلك اسم أهل السنة والجماعة لا يحتاج الدخول فيه إلا إلى الإقرار الإجمالي بالكتاب والسنة، فكل مسلم على الإسلام العام؛ والإيمان الإجمالي، هو من أهل السنة والجماعة(9).
2. أنه يتوافق مع ظاهر القرآن والسنة، ولهذا يلجأ المخالفون إلى التأويل وبناء عقائدهم على الأدلة العقلية التي لا يحسنها العامة، بينما عقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على الأدلة النقلية من نصوص الكتاب والسنة، فكل من قرأ القرآن وآمن بما فيه إجمالاً فهو من الأمة المسلمة ومذهب أهل السنة والجماعة(10).
3. الواقعية والوسطية، وكونه الأقرب إلى الطبيعة الإنسانية في عامة أصوله العقائدية والسياسية، ولهذا كلما كانت الفرق الأخرى أقرب إلى أهل السنة والجماعة، كانت أكثر شعبية وقبولاً في الأمة من غيرها(11)،
4. كما أنه ليس حكراً على جماعة أو حزب أو تنظيم بعينه، بل هو الأصل وهو الإسلام، وبه ينطلق المسلم نحو الأمة حباً ووفاءاً وصدقاً وجهاداً لها.
وعليه يجب أن يمتد المشروع بالتواصل مع علماء الأمة ومفكريها وشيوخها وشبابها وعامة المسلمين، والتكاتف معهم ضد المشروع الصهيوني، وإسقاط دولته المزعومة، ويمتد المشروع بنظرياته، وهي التالية:
أولاً: نظرية الأمة الإسلامية في دحر المشروع الصهيوني:
فكما أسلفنا بالحديث عن مفهوم أهل السنة والجماعة والأمة المسلمة الواحدة وهي عموم جماع المسلمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ . إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ "(12).
فالحديث يتحدث عن عموم المسلمين وهم أصل الأمة المسلمة الواحدة، نعم يقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله ولا يقول: يا فلسطيني ياغزي ياسوري يا مصري... لا إنه ينادي المسلم الذي تجرد من كل عصبية جاهلية، وأخلص لله، وهواه لله ورسوله، وعزم على الجهاد حتى تكون كلمة الله هي العليا"(13، 14)، فالحديث يؤكد على علو بني صهيون ويكونوا نداً للمسلمين في كل أرجاء بقاع المعمورة، فالمواجهة حتمية بين المسلمين واليهود وهي مواجهة قتالية بصريح نص الحديث، فالمسلمون كأمة وعلى رأسها الطليعة هي التي تقاتل وتقتل، ففي هذه المعركة لا تقاتل الطليعة نيابة عن الأمة والمسلمين بل الحديث واضح بقتال كافة المسلمون لكافة اليهود بالأرض، فالذي يقتلون اليهود هم المسلمون كافة، ومن هنا ننبه للخطأ الذي قادته فصائل وحركات التحرر على فلسطين أن جعلت نفسها هي الطليعة وهي الأمة دون الانتباه أن الأمة مازالت تعاني التمزق والتفرق، مما أدى للواقع المرير الذي تعيشه القضية الفلسطينية، وهو وقوف الأمة الفاقدة لدورها القيادي ممثلة بجهاتها الرسمية والتي تدور في فلك النظام الدولي وتتطلع لمصلحتها الشخصية، أو مرتهنة بديونها للحلفاء الاستراتيجيين للعدو الصهيوني، أو الحفاظ على ورثها بالحكم رغم ظلمها واستبدادها لشعوبها، كما ثم لابد من توضيح خطأ آخر لحركات التحرر هو استعجال الثمرة وقطفها قبل عملية التحرير والإجلاء للعدو الصهيوني، فشكلت حالة من انحسار مفهوم الجهاد في فك حصار أو استجلاب بعض المعونات، ومن هنا تم استغلال العدو لحاجات الشعب والمقايضة عن حقه بالابتزاز لحركات التحرر، فكان يجب على الطليعة المركزية تعمل على إيجاد فكرة (مشروع) وليست فكر مجتزأ يعلو عن حقيقة شمولية الإسلام والعمل من أجل تحقيقه، وهذا خطأ ثالث لحركات التحرر، تركوا الإسلام كمنهج تحرري الذي يلامس الشعوب في واقعية الكفاح والجهاد ليكون جهاد شعبوي بالكلية بقيادة الطليعة، والتي تستثمر كل طاقات الشعب وقدراته؛ ومن ثم الأمة في تمكين المنهج التحرري والقضاء على العدو المركزي للأمة، وليست فكر يهدف لاستعلاء الطليعة على شعبها؛ والتمترس حول أهدافها الشخصية الآنية متطلعين لفكر إسلامي تحرري يهيمن على الأمة، ويعيدوا دور الجهات الرسمية الحالية في حالة التغلب عليهم، فشتان بين منهج الإسلام التحرري الذي فهمناه من القرآن والسنة والذي يهدف للمصلحة العامة عن فكر إسلامي يحقق مصالح تنظيمية أو فئوية محدودة، فشتان بين ما نطرح ونفهم للعمق الحقيقي للإسلام كمنهج تحرري يعمل على الوحدة لكافة مكونات الأمة والمسلمين والإلتحاق به، والذي يحقق استنهاض كل شرائح الشعب في طاقات وقدرات موحدة هدفها العدل والإحسان وبناء نظام عادل شامل تكون للطليعة دور إداري استشاري وليس نظام هيمني استحواذي يقرب العناصر الموالية للفكر، فالمنهج الإسلامي التحرري يهدف لعمل إسلامي شعبوي يعتمد على طاقة وقدرات عامة الشعب والمسلمين، وليس لعمل إسلامي فكري نخبوي فئوي يعتمد على طاقات وقدرات نخبة مقربة فكرياً لرأس القيادة، فالطليعة يجب أن تمتلك مشروع واع في استدرار كافة المسلمين والأمة، فهؤلاء المسلمون الذين يجسدون النظرية، والتي من أعظم أهدافها بناء الأمة المسلمة الواحدة. يتبع