تعتمد السياسة الامريكية الرسمية سياسات تعبر عن مواقفها من قضايا تًعتبر التعامل معها التزاما ًراسخاً ثابتاً لا يتغير حتى و ان تغير فريق الرئاسة وكانت الاغلبية لأى قوة برلمانية في الكونجرس الأمريكي يمكنها تشكيل الحكومة ولا يمكنها الخروج عن المألوف في تبنى نفس المواقف من قضايا دولية بعينها.
هنا يشار بوضوح الى الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية والذى سَجل على الدوام موقفاً سلبياً في موازه تقديم الدعم اللامحدود في كافة المجالات لدولة الاحتلال الإسرائيلي , وهذه المواقف شكلت غطاءاً سياسياً مهماً لها يؤكد على طبيعة العلاقات المتينة بين شريكين تربطهما شراكة لا تنفصل مهما كانت الظروف و الاحداث , ونجد التأييد الأمريكي حاضراً في كل وقت والفيتو الأمريكي مرفوعاً في وجه أي مشروع قرار لصالح القضية الفلسطينية على مدار عقود من احتلال اسرائيل للأراضي الفلسطينية , ومنع تنفيذ أى قرار يصدر لصالح الفلسطينيين والعمل على تعطيله ,مستغلة بذلك نفوذها الكبير وقوتها في التأثير على دول عديدة في العالم وهذا ما نجده قائماً في مواقف أوربا من القضية الفلسطينية على الرغم من مواقفها الداعمة ولكنها تمكنت بعلاقاتها السياسية و الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة مع تلك الدول من الاستحواذ على القرار بطريقة او بأخرى ما افرز دول بعينها تدور بفَلك امريكا وتتساوق مع سياساتها في أوربا و غيرها من قارات العالم .
استطاعت امريكا خلال سنوات طويلة أن تحافظ على نفوذها وقوة تأثيرها مستغلة بذلك قوتها العسكرية و الاقتصادية ما جعلها تتدخل في كل الخلافات الدولية الناشئة و الطارئة منها وفق مصالحها و مصالح حلفائها الاساسيين , واذا استدعى الامر تستصدر قراراً مستعجلاً من مجلس الامن الدولى أو تتدخل مباشرةً دون أى قيود فى أى نزاع أو خلاف يحقق استراتيجيتها , وفى نفس التوقيت يمكنها غض البصر عن كل الجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني واحتلال ارضه , وتوفير الدعم العسكري واللوجيستي , وتحقيق التفوق النوعي وقدرات جيش الاحتلال , وعلى الدوام عُرف الموقف الأمريكي بالمساند لدولة الاحتلال ودوماً وقف فى وجه قرارات مجلس الامن الدولي الخاصة بالقضية الفلسطينية , والتلويح بالفيتو الرافض لأى مشروع قرار يُقر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني و اقامة الدولة الفلسطينية , فيما تسارع لبسط نفوذها و دعم تقسيم السودان الى دولتين شمالاً وجنوباُ , والتدخل في الخلاف بين روسيا الاتحادية واوكرانيا ودعم الموقف الأوكراني بمواجهة روسيا و اتخاذ اجراءات عقابية بحقها ونصبت نفسها الحاكم و الآمر الناهي في العالم , ومواقفها من الوضع في العراق , اليمن , وسوريا , ولبنان , وليبيا , والمجازر التي تعرض لها غزة التي صمتت عنها , والكثير من الملفات الدولية العالقة.
مارست الادارة الامريكية وحكومة "نتنياهو" ضغوطاً كبيرة على اعضاء مجلس الامن الدولي نهاية ديسمبر 2014م نجحت فيها , حيث لم يحصل مشروع القرار الفلسطيني العربي على 9 اصوات المطلوبة , وفى جانب اخر مارست التهديد والوعيد بحق الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" لإرغامه عن عدم الذهاب لمجلس الامن و الا ستتخذ بحقه والسلطة الوطنية الفلسطينية اجراءات عقابية, وكان اصرار القيادة على الموقف الوطني و الذهاب حيث ارادت دون ان تلتفت لأى تهديدات و تداعيات مهما كانت , وهذا ما سيمثل قراءة فعلية للمستقبل مبنية على رفض أي املاءات امريكية او ضغط اسرائيلي و التمسك الفلسطيني بحقه المشروع على ترابه الوطني.
على الدوام تحاول امريكا الحفاظ على علاقات تتبني رؤيتها مفاهيمها هي بالدرجة الأولي و تلبى احتياجاتها و تحقق مصالحها وخاصة مع الدول العربية والنامية التي تدخل لمراكز القرار فيها من خلال حاجتها الماسة للأموال و الانتعاش الاقتصادي في مواجهة اوضاعا اقتصادية و اجتماعية صعبة ومدها بالمال السياسي و تكبيلها بإتفاقيات و معاهدات بمجملها تعود بالنفع على امريكا وحدها , ويعنيها النفوذ المالي و العسكرية على شيطنة بلاد ورسم الخارطة السياسية فيها وفق اهوائها و مصالحها الخاصة.
عند الحديث عن النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية , تتعامل السياسة الامريكية وفق مفهوم التلويح بالقوة العسكرية و الاقتصادية و النفوذ السياسي بعدما استطاعت ان توجد لها موطأ قدم قوى بين دول المجموعة العربية , واحتفظت مع المعظم حتى الرافض للتمدد الإمبريالي الأمريكي بعلاقات دبلوماسية ونفوذ بين اقطاب السياسة و مراكز القرار فيها , والتدخل المباشر في كثير من الاحيان في قرارات الدول العربية المصيرية وفق خطوط ترسمها السياسة الامريكية نحو الشرق الاوسط لا يمكن تجاوزه من اصحاب القرار مهما كان ثقله السياسة و الا تعرض لغضبة امريكا ..! والحديث يدور عن دول حرة ولها حدود جغرافية واضحة المعالم و تتمتع بالسيادة على اراضيها لكنها لا تمتلك اصدار القرار الواضح و الصريح من مجمل القضايا الجوهرية التي تهتم المواطن و الوطن العربي الممتد من المحيط الى الخليج ..
لا يغفى على احد التأثير الواضح والممنهج لسياسات امريكا في العالم و على الوطن العربي و القضية الفلسطينية على وجه الخصوص ,وتستمد هذه الملاحظة جدواها في الوقت الحاضر من استدعائها لحقيقة مفادها ان السياسة الامريكية الدولية الراهنة ومنذ عقود تسهم فى خلق حالة انزياح داخل المفهوم التقليدي للأمة العربية و شعاراتها القومية و الوطنية المناهضة للسياسة الامريكية من قضايا الأمة المصيرية , ومجمل العلاقات الامريكية مع المنظومة الدولية وخاصة العربية تسعى الى تكريس سيطرة فعلية على كل مراكز القوة و التأثير علي نِظام الحكم العربي والامر ذاته حاضراً مع عديد الدول الاسلامية الكبرى التي ترتبط معها بعلاقات استراتيجية ما يمنعها من تبنى مواقف متناغمة مع قضايا الأمة الاسلامية الجوهرية , والتقيد بما تمليه الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين ,وبذلك تمكنت السياسة الامريكية من تفتيت مفهوم المصالح المشتركة للدول العربية و الاسلامية , ووحدة المصير.
في هذا المقام يشار الى الموقف الرسمي و الشعبي الفلسطيني الرافض لسياسة الاملاءات و الضغوط الامريكية الاسرائيلية التي سبقت قرار القيادة الفلسطينية التوجه الى مجلس الامن الدولي , واستمرت الى ما بعده وهذا ما قابلته الاخيرة بتوقيع اتفاقية الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية وما اعتبرته اسرائيل صفعة جديدة طالت الجانب الاخر من وجهها..! , وما حدث يجب ان يكون درساً يستفاد منه لكل المرجفين و الخاضعين و المرعوبين من السطوة الاسرائيلية و الامريكية والوقوف في وجه امريكا ورفض سياساتها العنصرية , وتغليب المصالح العليا لشعوبهم والارتكاز لكل مل تمليه المصالح العليا لبلدانهم , والعودة الى مسار تصحيح العلاقات والتحرر من كل ما من شأنه ان يكبل النمو الاقتصادي لهذه الدول وهذا لن يكون الا بالتحرر من قيود الاتفاقيات و المعاهدات التي تكبل أيادي و عقول الشعوب كي يبقوا يستنجدوا بأمريكا وتحت رحمتها , واستبدال الخنوع و الذل بالعزة و الكرامة , والحفاظ على مقدرات الامة المنهوبة و المهدورة والحفاظ على اعراض ودماء ابناء العروبة المنتهكة في العراق و اليمن و سوريا و لبنان و ليبيا , وفلسطين التي تعانى ويلات الاحتلال الإسرائيلي على مدار عقود , ولأجل التحرر من قيود التبعية و الاذلال تحتاج الامة الى ثورة في روح وقلب وعقل الشعوب العربية تمكنها من التخلص من حالة الانزياح السلبى التي ارادتها امريكا والرجوع لمسار الاعتزاز بالانتماء القومي العربي والاهتمام بمشاكله و همومه و تحقيق منطلقات الحرية و الوحدة و العادلة و الاهتمام بالتنمية في كافة مجالاته , وتحقيق علاقات اخوية راسخة و ثابتة تتبنى وحدة المصير العربي و المشترك تكون سداً منيعاً في وجه الاطماع الخارجية , والاستفادة من خلق حالة انزياح و انتماء صادق يتبنى افكاراً متأصلة من مجمل القضايا العربية الشائكة ومعالجة تداعيات الازمات التي غذتها السياسة الامريكية و تستفيد منها اسرائيل و استعادة حالة الوحدة و الخروج من مستنقع الحروب الدائرة و الشرذمة و التفتت السائدة ,حينها يمكن الاستفادة من الثقل العربي وتوجيه الطاقات لفرض حلول لكل القضايا المصيرية و في طليعتها القضية الفلسطينية و اقامة الدولة وعاصمتها القدس .