منذ أسابيع دعت وزارة الخارجية الأمريكية قيادات جماعة الإخوان الهاربين إلي لقاء اختلفت التعليقات والتأويلات حوله، هل كان لقاء لتقييم مدي نجاح الجماعة في تحقيق الخطة الموضوعة لها، أم كان لبحث التمويل اللازم لاستمرار نشاطها التخريبي، أم كان لوضع استراتيجية جديدة للعمل المشترك قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، وقبل انعقاد المؤتمر الاقتصادي الذي دعت إليه مصر، والمنتظر أن تشارك فيه دول وشركات عالمية كبري بعروض لاستثمارات يمكن أن تخلص مصر من الحصار الاقتصادي المفروض عليها، ويمكن أن يعوضها عن الخسائر التي سببتها الجماعة بالحرائق والتفجيرات والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، ويساعدها علي تحسين الأحوال الاقتصادية التي تعوق انطلاقها.
وأيا كان الهدف من هذا الاجتماع، ومهما تكن نتائجه، فليس في الأمر جديد يدعونا إلي الدهشة أو القلق لمعرفة ما نعرفه عن الدور الأمريكي، وهو دور مزدوج بل هو دور متعدد الأوجه، فليس جديدا أن نعرف ما قدمته أمريكا لتمويل جماعات وجمعيات في مصر، وقد نبهتنا السيدة فايزة أبوالنجا منذ وقت طويل وتحملت هجوم المستفيدين من هذه الأموال، وليس جديدا ما نعرفه عن دور أمريكا قبل وفي أثناء ثورة 52 يناير، فقد نشرت الصحف الأمريكية أخبار اللقاءات والاتفاقات التي تمت في البيت الأبيض علي أعلي مستوي مع كبار قادة الجماعة والترتيبات والتعهدات التي تم الاتفاق عليها، وبعد الثورة نشرت الصحف عن اللقاء الأهم الذي عقد في البيت الأبيض ـ أيضا ـ علي أعلي مستوي مع قيادات الجماعة التي أصبحت في الحكم وتحت يدها أسرار الدولة العليا وتملك سلطة القرار وقيادة البلاد إلي المسار الذي تحدده أمريكا، وليس غريبا أن نجد اليوم ممثلة عن الجماعة ترسل رسالة إلي الرئيس أوباما تناشده فيها التدخل في مصر، وهي تعلم ـ ونحن أيضا نعلم ـ أنه لا يحتاج إلي دعوة، وأنه يفعل كل ما في وسعه لاستكمال المخطط الأمريكي بطريقته الخاصة، وقد نجح في دول عربية وكاد ينجح في مصر لولا أن في مصر رجالا لديهم البصيرة والإرادة والشجاعة والاستعداد للتضحية بأرواحهم لإنقاذ بلادهم وإعادتها إلي الطريق الصحيح.
وليس غريبا أن نقرأ مقال الكاتب الأمريكي إيان جونسون في وول ستريت جورنال وهو المعروف بقربه من دوائر السياسة الأمريكية العليا ويتحدث في هذا المقال عن علاقة الإخوان بالمخابرات الأمريكية، ويؤكد هذه العلاقة قائلا: (حتي لو أنكر البيت الأبيض ذلك رسميا)، ويقول: إن التحالف بين الإخوان والمخابرات الأمريكية معروف منذ الخمسينيات من القرن العشرين، وهو تحالف (سري) تعهدت فيه الجماعة بضمان تهدئة التوترات التي يسببها المسلمون الأوروبيون والأمريكيون، وأن تقرير المخابرات الأمريكية أن الإخوان يفيدون في تحقيق الأهداف الأمريكية، ويقول أيضا: إن ذلك التحالف قائم منذ اجتماع الرئيس ايزنهاور مع سعيد رمضان الذي قدمته الجماعة علي أنه وزير خارجيتها والمسئول عن التنظيم الدولي، وقد سمحت المخابرات الأمريكية بالإفراج عن بعض وثائقها السرية بعد مضي المدة القانونية، وفيها أن المخابرات الأمريكية استعانت بسعيد رمضان وبالجماعة لتنفيذ سياستها في المنطقة وسهلت له اتخاذ مركز للإخوان في أوروبا مقره في ميونخ كان قاعدة لمحاربة النظام في مصر وقتها حين كانت أمريكا تعمل لإسقاط حكم عبدالناصر وسياسة الاستقلال الوطني، (وبعد ذلك استمر الدور وتعددت مراكز العمل ضد مصر وبقية الدول العربية).
وليس غريبا أن نجد أمريكا تتوسع في استخدام ما تسميه (الدبلوماسية السرية) عن طريق عملاء المخابرات والعناصر المحلية التي يمكن شراؤها بالدولارات، ويقول تقرير المخابرات: (إن الدولارات لها سحر معروف في الدول النامية).
فلماذا الدهشة إذن كلما جاءنا العلم بما نعلم؟!
عن الاهرام