الحديث عن حذف جبهة النصرة من قائمة التنظيمات الارهابية وإعادتها لصف المعارضة ليس جديدا فقد ظهر اول مرة مع رغبتها بذلك عندما وضعت هذا شرطا لإفراجها عن الرهائن الفيجيين العاملين ضمن قوات حفظ السلام الذين كانت تحتجزهم اثر قتال مع قوات النظام في مرتفعات الجولان ، وقد تلا ذلك تصريحات لمسؤوليين سياسيين اوروبيين تبين نيتهم في التوسط بين جبهة النصرة والولايات المتحدة الامريكية في حال عدلت عن ارتباطها بتنظيم القاعدة ، كما ان هناك دول حاولت في نفس المضمار لعدد من الاعتبارات اهمها :
_ تصاعد نفوذ جبهة النصرة في شمال سورية فهي تسيطر على جزء هام من حلب التي كانت موضوع خطة دي ميستورا _التي تم التخلي عنها لاحقا_ فأي اتفاق على تجميد القتال في حلب يتطلب اشراك النصرة ليكون فاعلا ، اضافة الى سيطرتها شبه التامة على محافظة ادلب وامتدادها الى حماة وهو ما يؤهلها الى انشاء امارة اسلامية على غرار تنظيم الدولة وهو ما سيؤدي بكل تأكيد الى تعقيد الوضع في الشمال السوري .
_غموض ايديولوجية جبهة النصرة فرغم بيعتها لتنظيم القاعدة وارتباطها بالسلفية الجهادية إلا انها تختلف عن تنظيمات جهادية اخرى تنشط على الارض السورية من حيث الخطاب والسلوك ربما يعود ذلك الى ان الفترة التي نشأت فيها كانت بعد الثورة السورية مما جعل اهدافها الاساسية مواجهة قوات النظام السوري حتى وان انحرفت احيانا الى قتال تشكيلات المعارضة لكن يبدو ان هذا السلوك قابل للاحتواء.
رابعا الفاعلية فهي نجحت في دحر قوات النظام اكثر من مرة اضافة الى تماهيها مع الحاضنة الاجتماعية و اظهارها قدرة عالية على الاستقطاب والحفاظ على تماسكها اذا قورنت بتنظيمات المعارضة السورية التي تنشط في نفس المحافظات ،وأخيرا بروز تيار قيادي داخل جبهة النصرة يرغب بتعديل مسارها .
هذه العوامل شجعت البعض على التفكير في كسب جبهة النصرة الى طرف المعارضة المعتدلة اعتقادا منها ان هذا سيؤدي الى تغيير ميزان القوى في الميدان السوري ، لكن ما الذي يتطلبه اعادة تأهيل جبهة النصرة ؟ اولا فك الارتباط الايديولوجي بالقاعدة وتغيير الخطاب ليتحول الى خطاب وطني معتدل ،ثانيا التوقف عن استهداف المعارضة السورية بما يعني اعادة رسم حدود جديدة للتنظيم في تعامله مع كتائب الجيش الحر ،ثالثا تغيير التكتيكات القتالية التي تتشابه مع سلوك التنظيمات الجهادية مثل التفجيرات التي تستهدف مدنين والاختطاف واحتجاز الرهائن ،رابعا انهاء اي امكانية للتعاون و التنسيق مع الدولة الاسلامية ، حتى وان لم يتحدث احد علنا عن هذه التفاصيل بعد إلا انها لابد ان تظهر عاجلا او او اجلا مع اي مقترح مراجعة مماثل .
الشروط سابقة الذكر تجعل التغيير راديكاليا و خياليا فالمطلوب من جبهة النصرة احداث مراجعة جذرية تامة شبه مستحيلة عمليا في حين انه لا تبدو جبهة النصرة مستعدة لذلك ، رغم ترويج البعض بأن جبهة النصرة تمر بفترة فاصلة تفرض عليها اعادة مراجعة حساباتها وتعديل اتجاهها ، لكن الوقائع تثبت ان جبهة النصرة نفسها غير مستوعبه لهذا الامر فهي مستمرة في نفس اساليبها القديمة ويبدو سيناريو اعادة النظر في الايديولوجية وفك الارتباط عن القاعدة هو الاقل حظا بسبب انحسار تيار المراجعة داخل التنظيم ، كما ان الثمن الذي ستدفعه يبدو مرتفعا مقارنة بالعوائد فعلى الارجح ستخسر النصرة قدرتها على استقطاب المجاهدين لصالح الدولة الاسلامية بسبب تخليها عن الايديولوجية المتطرفة كما ان هامش حريتها وحركتها سيقل وتماسكها سيصبح مهددا في مقابل هزيل هو تحليها بالشرعية وإمكانية الحصول على تمويل !، هذا اضافة الى ان المعارضة الامريكية قاطعة في هذا الشأن اذ ان ابسط قراءة لتصريحات المسؤولين الامريكيين الاخيرة توضح تفضيلهم للتعامل مع الاسد على التعامل مع الجماعات المتطرفة.
في الواقع ليست مبالغة اذ استنتجنا ان امكانية اعادة تأهيل جبهة النصرة في الوقت الحالي تكاد تكون شبه معدومة و عبثية خصوصا مع مؤشرات يأس بدأت تظهر في تصريحات بعض السياسيين اخرها تصريح رئيس الائتلاف السوري خالد خوجة الذي حسم فيه الامر بان تنظيم جبهة النصرة تنظيم ارهابي ، وفي بيانات جبهة النصرة نفسها التي تنفي فكرة تغييرها لمرجعيتها وعقيدتها، وإذا حدث العكس فبالتأكيد سيكون مفاجأة بكل المقاييس .