جلسا على الشرفة المطلة على المروج الخضراء ، وأخذا يحتسيان فنجاناً من القهوة ويذهبان بنظرهما إلى روح الطبيعة الخلابة ويستمعان للموسيقى الصباحية الهادئة ، وبغتة أخذت تنظر إليه وينظر إليها وكأن كلاً منهما يرى نجوم الأمل وشعاع المستقبل في الآخر ، وفجأة وعلى زئير القصف والدمار فاقا من حلمهما الذي كانا يتبختران في أزقته ليجدا نفسيهما وسط زحمة من الدمار ونهراً جارياً من الدماء .
هكذا هي حياة الشعب الفلسطيني الذي عاش برهة من الزمن شعباً له أرضه ووطنه وعمله، عاش شعباً مستقلاً يعيش في بيت السكينة والإطمئنان ، يصحو مع زوجه على زقزقة العصافير وإشعاع الصباح ، ويروحون إلى جنتهم الأرضية حاملين على الأكف فأْسهم ولقمة العيش مع إبريقاً من الشاي ، ومن ثم يهيئون أنفسهم للعمل والكد.
أما اليوم فقد أضحى شعباً محتلاً مشرداً مهمشاً ، فهذا ما فعله به شبح عام 1948 الذي جاء في زيارة مباغتة لم يسبق لها أدنى إشعار ، حيث حلت النكبات وسلبت الأشباح البشرية الأرواح والأملاك ولم تعرف طعماً للرحمة ولا للشفقة ، وارتكبت أبشع المجازر بحق أبناء فلسطين وهجرت ما يقرب من 365 قرية فلسطينية عنوة عن أهلها وقتلت المئات بل الآلاف وأصبح أبناء فلسطين كالأطفال اليتامى بعيدون عن أمهم التي تغمرهم بحنانها وتأخذهم في أحضانها ، لكن أبناء فلسطين لا ولم يستسلموا لهذا الوحش المفترس الذي سلب منهم أعز ما يملكون فحملوا بنادقهم وواجهوا بصدورهم العارية هذا المحتل الذي يملك القوة والعتاد ، أما إن شئنا أن نتحدث عن الخيانة العربية وعن الضمائر المختفية في سباتها العميق ، تارة تصحوا على أحلام كاذبة وليتها تصحوا !! ...
فقد تركت أبناء فلسطين وحدهم يخوضون غمار هذه المعركة ، ولم تمدهم ولو بأدنى مقوّمات الدعم المعنوي في المعركة ، أما عن المحتل فقد نجح كما خطط في مؤتمر بال بسويسرا الذي عقد عام 1897 لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين فقد أقيمت هذه الدولة على ثرى فلسطين ، ولكن لم يكتفوا بهذا فحسب بل أرادوا أن يجعلوا فلسطين كل فلسطين يهودية الهوية خالية من أي هوية عربية ، فهذا المخطط جعلهم يرتكبون المجازر على مر التاريخ فارتكبت مجازر عام ال1967و 1987 و2000 والكثير الكثير من المذابح ، وسقط آلاف الشهداء والجرحى وهدمت البيوت واقتُلعت الأشجار وهجر السكان ، واستخدم المحتل نظام التفرقة العنصرية " الأبرتهايد" في محاولة للتمييز بين أبناء فلسطين والشعب اليهودي وتطهير سكان فلسطين عريقاً، كمحاولة مشابهة جداً لما حصل جنوب افريقيا عام ال1948 عندما حكمت الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا وأرادت أن تطبق هذا النظام على السكان السود ، هذا إلى جانب بناء اليهود لجدار الفصل العنصري في محاولة للتفريق بين أبناء الشعب الواحد داخل الوطن ، فكل هذه الإجراءات اتخذت من أجل افراغ فلسطين بالكامل من شعبها وجعلها وطن يهودي الجنسية بالكامل ، ولطمس آمال الشعب الفلسطيني بالعودة لوطنه السليب وكأنهم يقولون لأبناء فلسطين أملكم بالعودة لفلسطين إنما هو صدفة في قاع البحر ، لكن عزيمة وإصرار الشعب الفلسطيني محفورتان في أعماق قلبه للعودة إلى وطنه ، وما زال الأمل كالشجر الذي يغرس جذوره في قاع الأرض فشعب فلسطين منها وإليها ، وسيبقى شعار العودة حق مقدس وشعار رنان يرفعونه وينادون به في كل بقاع الأرض .