تاريخ النشر: 2016-02-17 | 09:16
تاريخ النشر: 2016-02-17 | 09:16
نَعم أميرة، جارتنا ونِعم الجيران
لكل من اسمه نصيب، لكن أميرة لم يكن نصيبها ان تعيش مرفهة كالاميرات
ولكنها عاشت وماتت اميرة في بيتها دون ان تحتاج ان تمد يدها لاحد من الناس
كنت صبيا يافعا ولا ارى اميرة الا عجوزا كبيرة، هل هدها التعب واثر على ملامحها وسرق منها صباها؟!
هل كانت اميرة صبية في منتصف العمر عندما ترملت وترك لها زوجها، الذي لا اعرفه، ولدين واربع بنات
ربت اميرة الابناء والبنات من كد يدها وعرق جبينها
تستيقظ أميرة مبكرة لتخرج الى الاسواق، كل مدينة لها يوم للسوق
اسواق شعبية، للخضرة ومواد البناء والكهرباء، وتجار البالة للملابس البالية والكنادر والصنادل المستخدمة، وتجار الصابون النابلسي ومواد التنظيف، وتجار الطيور البلدية والبيض البلدي، وسوق للحلال من اغنام وابقار وجمال، وسوق للبهائم من حمير وبغال، وسوق للحب والاعلاف والقش والتبن والملح....
اسواق يتجمع فيها الباعة، كل الباعة، بكل اصناف البضاعة والتجارة، ليتلقطوا رزقهم من قروش الناس القليلة،
في خانيونس، تشتهر نساء المنطقة الشرقية بتربية الطيور البلدية وبيعها لتدبير شؤون العائلة،
أميرة كانت واحدة من نساء المخيم القلائل اللواتي يربين الطيور البلدية، ضيق المخيم والفقر المقيم، وقلة حيلة كثير من النساء الفلاحات بالاسم فقط، لا يسمح للكثير منهن بهذا الترف!!
أميرة كانت واحدة من النساء اللواتي يربين الطيور ويتاجرن بها،
تخرج أميرة مبكرة بعد صلاة الفجر بجسمها النحيل ووجها الشاحب الذي لفحته حرارة الشمس وبرودة الشتاء،
تخرج بثوبها الفلاحي قليل التطريز، متلفحة بشاشتها البيضاء الخفيفة، ومنتعلة زنوبتها الرقيقة البالية التي تثير الغبار من خلفها،
تحمل أميرة قفصا من الاسلاك الرقيقة على رأسها معبأ بالطيور البلدية، دجاج بلدي وحمام وزغاليل،
تضطر أميرة أن تقنعس رأسها بين كتفيها من ضغط وثقل الاقفاص
كما تحمل اميرة في يدها ازواج من البط المرجاني الاسود، وقد تحمل احيانا في يدها الاخرى سلة صغيرة فيها بيض بلدي مدفونا في التبن الاصفر الناعم خوفا عليه من ان يتكسر
تمشي أميرة وهي تتأرجح ولكن بهمة ونشاط، لا تلتفت يمينا او شمالا، بوجهها الصارم الجاد ، الذي لا يعبر عن تعب او شقاء او شكوى، بل عن جد ومثابرة وارادة قوية،
تواصل المسير مشيا على الاقدام لتصل الى سوق الاربعاء، شرق خانيونس، او الى كراج السيارات، وسط المدينة، بعد حوالي ربع ساعة من المشي المتواصل لتركب سيارة الاجرة الى احد الاسواق المتعددة في القطاع
كل يوم في بلد، كل يوم سوق في مدينة، السبت في رفح، الاحد في المغازي، الاثنين في النصيرات والثلاثاء في دير البلح والاربعاء في خانيونس والخميس في البريج والجمعة في غزة، وووووو....
ترجع اميرة منهكة الى البيت، بعد يوم طويل ومناكفة ووجع راس مع البائعين والمشترين
ترجع محملة باقفاصها وسلالها المعبأة بطيور قد اشترتها لتسمنها وتبيعها من جديد،
وقد ترجع بالطيور القديمة التي لم توفق في بيعها بسبب ركود السوق وضعف حالة الناس،
كما ترجع اميرة حاملة بين يديها حاجات البيت الاساسية من خضار وفاكهة، فاكهة من فاكهة الموسم،
ترجع اميرة الى البيت وقطرات العرق تزرب على وجنتيها ورقبتها وداخل عينيها الصغيرتين،
ترجع لتعجن العجين، بعد ان تنخل طحين المؤن، وتقطعه وتتركه يرتاح قليلا، ثم ترقه بالشوبك وتصفطه في الفرش الخشبي، وتغطيه ببعض الخرق البالية، وتحمله على راسها لتخبزه في الفرن، فرن ابو سعدات، لا يبعد عن بيت اميرة الا عشرات الامتار الى الشرق،
تتحمل اميرة التعب وتخرج بنفسها الى الفرن ولا تسمح لاحد من بناتها الاربعة فعل ذلك،
هذه ليست مهمة البنات، مهمة البنات ان تتعلم؟!
كبر الابناء والبنات وتعلم الجميع، ثلاثة من البنات الاربعة بالاضافة الى الابناء اكملوا تعليمهم الجامعي في مصر في مختلف التخصصات، فمنهم الضابط والطبيب والمدرس ووو، شكرا لمصر التي علمتنا
اما البنت الرابعة فتعلمت مهنة الخياطة كما كانت تفعل الكثير من بنات جيلها اللواتي لم يتح لهن التعليم العالي،
تعلم الجميع وتخرجوا وتزوجوا وانجبوا وكونوا عائلات رائعة من تعب وكد وعرق أميرة،
أميرة لم تشتكي يوما، لم نسمع لها صوتا، اميرة لم تمد يدها الى احد
لم تطلب معونة من احد، ولم تقبل صدقة او زكاة مال من احد، كانت ترد من يرسل لها اي زكاة او صدقة او مساعدة
حاولت ذلك امي سرية مرات عديدة وبطرق مختلفة ولكنها فشلت، رحمت الله تتغشى روحك يا حنونة
أميرة كانت عصامية جادة، استطاعت بجهدها الخاص ان تنتصر على كل بؤس الحياة وتعبها، صارعت وناضلت واعتمدت على زندها
لم تنتظر جمعية خيرية او مؤسسة اسلامية لتكفل ايتامها، لم يكن يعرف مجتمعنا هذه الفنعة الجديدة
كان مجتمعنا مجتمعا عصاميا متكافلا الى ابعد الحدود
صحيح ان الحياة كانت اكثر بساطة واقل تعقيدا
لكن كثيرا من هذه العادات والممارسات وشراهة البعض وتكالبه الذي يزداد يوما بعد يوم لم يكن موجودا في مجتمعنا
ماذا حدث لنا؟!
لقد نجحوا في تدجيننا، ونحن استجبنا لمحاولاتهم!
لقد حولونا الى شحادين، ونحن رضخنا لذلك!!!
لقد نجحوا اخيرا !! لقد فشلنا اولا واخيرا!!!
لماذا كل هذا العدد الكبير من المؤسسات والجمعيات الخيرية؟!
سياسة كرت المؤن وبطاقة ال "سي اتش اف" والكوبونة آتت أكلها بعد حين!!!
تحية الى اميرة وكل الاميرات اللواتي يفتقدهن مجتمعنا كثيرا في هذا الزمان النجس!
متى سنستيقظ من كبواتنا؟!