تاريخ النشر: 2015-11-08 | 08:50
تاريخ النشر: 2015-11-08 | 08:50
نلتقي بعد عامين، هذا ما تخبرنا إياه الإدارة الأميركية عبر مستشاري الرئيس الأميركي باراك أوباما، فالرئيس الأميركي، باراك أوباما، لا يعتزم إطلاق أي تحرك سياسي لإعادة مسار التفاوض بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فقد توصل الرئيس أوباما إلى استنتاج مفاده أن اتفاقية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين باتت بعيدة المنال، وغير ممكنة خلال ما تبقى من فترة ولايته في البيت الأبيض.
وهو ما يعني إطلاق يد إسرائيل لتعيث فساداً وخراباً على الأرض وتغير الواقع، كمحاولة لفرض حقائق جديدة عند استئناف المفاوضات بعد أكثر من عامين، حين يقرر سيد البيت الأبيض الجديد خوض مغامرة القضية الفلسطينية.
هذا الانسحاب الهادئ للرئيس الأميركي، الذي لا نأسف على رحيله، سيضع المنطقة في أتون نار جديدة، فهو انسحاب محرض لانتفاضة ثالثة، أو ما هو أخطر، هو انسحاب قد يؤدي إلى حدوث مواجهة كبرى بين الفلسطينيين في أراضي السلطة الفلسطينية مع السلطة نفسها، ما يعني إمكانية إسقاط السلطة بيد أبنائها الذين ينظرون إليها وهي عاجزة لا تملك الخيار.
وفي هذه الحالة تبرز الخطورة الحقيقية على الجانب الفلسطيني في المستقبل، ففي حال إسقاط السلطة سيبدو للعلن أنه لا يوجد ممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين، حيث أن إسقاط السلطة سيفتح الباب للفصائل الفلسطينية المختلفة للبروز، في ظل غياب تأطير تنظيمي لها، مع ظهور أوسع لحركة حماس، وهو ما قد يثير قضية وجود أكثر من ممثل بل وأكثر من شعب، ففلسطينيو الضفة لهم قضاياهم وممثلوهم وفلسطينيو غزة لهم قضاياهم المختلفة وممثلهم المختلف، وتبرز خطورة هذا المسار، أننا دخلنا مرحلة تجزئة القضية الفلسطينية عبرتجزئة القيادة، وهو ما يعني مسارين فلسطينيين مختلفين وضياع القضية إلى الأبد.
ولا يمكن لأحد أن ينكر أثر هذه التطورات على الجانب الأردني، فنحن في الأردن حاولنا قبول فكرة أن أوباما يملك تصوراُ مختلفاً لإدارة الصراع وحله في المنطقة، ورغم انخفاض سقف التوقعات، إلا أن الأردن ظل يرى أن بإمكان الإدارة الأميركية إحداث اختراق جديد لمصلحة الحل النهائي، وهو ما دفع السياسة الأردنية نحو مربع الترقب وانتظار الحدث الأهم أكثر من مرة، ليتحول الدور الأميركي من محرك لعملية السلام عبر المفاوضات إلى وسيط مهلهل بين الأردن وإسرائيل في كل مرة يخترق فيها الإسرائيليون المعاهدات والاتفاقيات، ويحاولون المساس بالقدس والحرم القدسي الشريف، وتغيير الوضع القائم.
ما يمكن اكتشافه أن دواليب الواقع المر في المنطقة وجنازير الإدارة السياسية الحقيقية في واشنطن قد أخذت نوايا أوباما الحسنة، التي جاء بها في أولى أيام فترة رئاسته الأولى، أدراج الرياح.
ومنذ هذه اللحظة لا يجب على الأردن أن يتوقع أي تحرك إيجابي من جانب الإدارة الأميركية، التي ارتضت أن تكون مُسَيِّر فترة لا أكثر حتى لا تضر بموقف مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وعلى المطبخ السياسي الأردني أن يعد سيناريوهات للمقبل من الأيام، بما فيها أسوأ السيناريوهات الممكنة، ويعيد دراسة الخيارات الأردنية في الملف الفلسطيني، وأن يكون مبادراً لاتخاذ الإجراءات الضرورية التي تحمي المصالح الأردنية الحقيقية بما يكفل أن لا يتحول الأردن إلى طرف خاسر في المرحلة المقبلة، وأن يقوم كل طرف في المعادلة الأردنية بدوره المنوط به، دون إغراق بالشعارات التي لا مجال لتطبيقها على أرض الواقع.
هذا الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية دق مسماراً إضافياً في نعش حل الدولتين، فالوقت سيكون كافياً للجرافات الإسرائيلية كي تحفر مكاناً لمستوطنات جديدة على أرض الواقع وتعيد «خربطة» خططنا المرسومة على الورق.
التأزيم المنتظر خلال الأشهر القليلة المقبلة سيأخذ منحى غير مسبوق، فإسرائيل لن تضيع الوقت كي تغير الواقع، وليكون الحل الجديد قائماً على موازين القوى الجديدة في المنطقة ومتوافقاً معها بعيداً عن أي توقع خيالي لقوة الأطراف، وعلى الأردن أن يحسب كلفة انهيار السلطة، ومن سيكون قادراً من الفلسطينيين على الدخول في مفاوضات فاشلة بعد عامين.
وسيجد نتنياهو هذه الفسحة من الزمن فرصة لإزعاج الأردن في القدس، وعلى الأردن التفكير بكل أشكال التصعيد، ومدى الضغط الشعبي على الأردن لاتخاذ مواقف صارمة حيال ما قد يتعرض له الحرم القدسي الشريف من انتهاكات، وما تتعرض له الوصاية الهاشمية من استفزازات.
إذا كان الأردن قد استطاع خلال السنوات الأربع الماضية بالتعامل مع حدود شمالية وغربية مشتعلة، فإن السنتين المقبلتين ستكونان اختباراً حقيقياً للأردن في حال اشتعال الحدود الغربية، مع التأكيد أن القضية الفلسطينية في الأردن من الملفات الداخلية الأردنية لما لها من خصوصية، وهو ما سيجعل تأثيرها على الداخل الأردني والتعامل معها شعبياً ورسميا مختلفاً.
عن الرأي الاردنية