النظام الاقتصادي الفلسطيني، لا علاقة له باقتصاد السوق، بل هو نظام فوضى الاقتصاد. لأنه لا يعتمد معيارا او معايير ناظمة لتداول السلع؛ ولا يخضع للرقابة من قبل جهات الاختصاص؛ كل مدينة لها نظامها الخاص. بل الاصح كل تاجر في اي مكان من مدن وقرى الوطن، له اسعاره وقوانينه الخاصة.
وحجة الاحتلال الاسرائيلي، لم تعد تنطلي على احد. واتفاقية باريس الاقتصادية والغلاف الجمركي، ايضا ليست سببا في حالة العبث وجنون الغلاء، الذي يعم البلاد من اقصاها لأقصاها. المشكلة في التجار واصحاب رأس المال، الذين لا يتورعوا عن مضاعفة سعر اي سلعة اساسية او ثانوية وفي اي وقت يشاؤوا في رمضان وشوال في الصيف والشتاء وبلا اسباب سوى سبب الجشع وغياب الرقابة من قبل جهات الاختصاص.
اما الحديث عن اقتصاد السوق، وتحميله المسؤولية ايضا غير دقيق، لان اقتصاد السوق له ضوابط وقوانين تحكمه. وبالتالي ارتفاع الاسعار او انخفاضها في اي موسم او اي دولة يستند لأسس تنظم علاقة السوق بالمستهلك، منها العرض والطلب او ارتفاع او انخفاض قيمة العملة المحلية مقارنة بالعملات الاجنبية وأثر ذلك على الاستيراد والتصدير او حدوث، ازمة اقتصادية عامة او ازمة سياسية أثرت على الاستقرار الاقتصادي، بالإضافة للسلعة ذاتها. لنأخذ السوق الاسرائيلي نموذجا او اي دولة اوروبية، ونلقي نظرة على اسعار السلع فيها، نجد انها اسعار موحدة، وان وجد تفاوت، فانه تفاوت نسبي محكوم بأسباب وعوامل موضوعية لا تتعلق بالتاجر لوحده.
وحش الغلاء، الذي يستبيح البلاد منذ قامت السلطة الوطنية، وغياب الكوابح المعيارية الاقتصادية، والتفاوت الفاضح بين تاجر وتاجر وبين مدينة واخرى في كل السلع: الخبز والرز والزيت واللحوم بأنواعها والخضار بمسمياتها والفواكه والملابس واجور السيارات العامة وحدث ولا حرج عن اسعار الشقق والعقارات والايجارات ومواد البناء، وحتى في المؤسسات العامة، التي تساوقت مع حالة الفوضى القائمة، واتجهت لرفع الاسعار الرمزية للعلاج في المستشفيات، التي تضاعفت دون وجه حق. واذا اقتصر النقاش على اسعار المواد الغذائية من خبز وخضار وفواكه ولحوم، يلحظ المواطن، انها بلغت حدا لا يطاق عشية شهر رمضان الفضيل الحالي، يكشف عن عمق الخلل وتأصله في السوق الفلسطيني. الذي ينهش المواطن الفلسطيني البسيط، ويحول بينه وبين الحد الادنى من القيم الغذائية. الامر الذي يحتاج الى قرارات الزامية للتجار، وزيادة مستوى الرقابة ليس فقط من جمعية حماية المستهلك بل من وزارة الاقتصاد والمالية والزراعة والداخلية لحماية الامن الغذائي للمواطن الفلسطيني.
في الوقت الذي تدعو القوى السياسية والاجتماعية والمؤسسات الوطنية مقاطعة السلع الاسرائيلية، وتعمل على رص الصفوف لمواجهة التحديات الاسرائيلية المختلفة، والدفع بعربة المصالحة الوطنية للأمام، لا يجوز باي حال من الاحوال السماح لوحش الغلاء بامتصاص دماء المواطنين، واستنزاف قدراتهم وامكانياتهم المتواضعة، وفتح جبهة جديدة من المواجهة بين ابناء الوطن، بين الاغنياء والفقراء، بين التاجر والمستهلك، المطلوب حماية الجبهة الداخلية، وتعزيز عناصر صمودها، وتطهيرها من كل الموبقات والاستنزاف من خلال مضاعفة المراقبة، ووضع معايير اقتصادية واحدة، للحد من التلاعب المفضوح الناتج عن تواطؤ التجار مع بعض الجهات هنا او هناك او مع الادارة المدنية الاسرائيلية.