تاريخ النشر: 2019-03-12 | 09:41
تاريخ النشر: 2019-03-12 | 09:41
تُلْقِي الآيديولوجيات السُّكونية المسكونة بالتخييلات ت اللاهوتية المصطنعة واالدِّين المؤدلج بآثارها على جميع مجالات الحياة وأنشطة المجتمعات والنَّاس لتجعل من هذا الدِّين، المتخيَّل تصوُّرياً ليُوظَّف سياسياً، زورقاً جاهزاً لإرسال النَّاس على متنه، بلا كُلفة، إلى قيعان جحيم بلا سماء في انتظار صُعُودٍ مأمولٍ، ومُنْتَظَرٍ، إلى سماء بلا جحيم، محوراً مركزياً ساكناً تحتلُّ أعلى سُلَّم الثنائيات الأفقية المتجاوبة أو المتعارضة التي تلاصقهُ، هُوِيَّة كُلِّية مؤدلجة تُجافي الصيرورة، ولا تتسمُ بشئ سوى تغييب العقل، والانغلاق على الوهم، والسكونيَّة الكهفيَّة، والموت في الحياة في انتظار حياةٍ في الموت، أو في ما بعد الموت المرتجى عشقاً في الموت نفسه ومن أجله، اًو أملاً في حياةٍ ثانيةٍ قد تنبثق عن تعديم الموت بالموت لتكون هي رديف الأبدية، وقرينُ الخلود!
هكذا لا تكون الهويَّات الفرديةُ المنبثقة عن هاته الهُويَّة الكُلَّية المُغلقة على نفسها إلا محضَ تجليات استنساخية تحاكيها، أو تنزيلاً قسريَّاً لمكوناتها الثَّابتة الصَّلدة في هُويات ذوات فردية إنسانيَّة (لا ندري أنْ كان وصفها بالفرديَّة والإنسانيَّة جائزاً) غير قابلة، بدورها، لأي تنوُّعٍ إنسانيٍّ خلَّاق أو تحوِّل متواتر قد تتيحه صيرورةٌ تتحرَّك ثنائياتها على محورٍ يُتيح لها أنْ تنخرطَ في تفاعل متواترٍ يُجلّي حقيقتها (أإنسانيةً هي أم غير ذلك؟!) عبر تجلية مكونات ماهياتها الخاصَّة وخصائصها المتفرِدة التي تتواشجُ في مدار جوهر إنسانيٍّ صافٍّ وعميق!
ومن المنطقي تماماً، أنْ نجد في نطاق كُلِّ إطار ثنائي هُوياتيٍّ جامعٍ، على نحو شامل أو مُقلَّص، تعدُّد ثنائياتٍ تتدرَّج تدنيَّاً حتَّى تصل إلى مقولتي "الفرد" أو "الأنا" الواقعتين، في ترادفٍ متطابق، على الطرف المُقابل لمقولتي: "الجَمْع/الكُل" وردائفهما، أو ضمير "النَّحنُ" وموازياته، المترادفتين والمتطابقتين على تنوع إحالاتهما، واللَّتين لا ينبغي لحضورهما، واقعاً أو تصُّوراً، أنْ ينهضَ على امتصاص خصوصية الأفراد أو الأنوات في أيِّ "جمعٍ" أو "كُلٍّ" يُلغي فاعليتهم النَّاجمة، أصلاً، عن فرادتهم وتميزهم عن آخريهم، أو في أي "نحنُ" تُحيلُهم إلى محض أعدادٍ أو أرقامٍ جامدةٍ بلا صفاتٍ إنسانيَّة حيويَّة، أو خصائص نوعيَّة، أو سماتٍ هُوِيَّاتية فارقة.
وفي واقع الحال، فإنَّ هذا التَدرجُ الهابط صوب البذرة الأولى، أي صوب الإنسان باعتباره تحقُّقاً كيانياً أولياً ومشروعَ تحقُّق ثقافي ووجوديٍّ مفتوح على مستقبل مفتوح، مروراً بما انبثق عن هذه البذرة من جذورٍ ومساراتٍ حضارية وتشكُّلات تاريخية محكومة بشروطها، إنِّما يتيحُ تخليص الفرد من تعريفات ثانويةِ لاحقة لوجوده، أو ماهياتٍ مُصطنعة تُفارق بذرة ماهيته، على غرار تلك التعريفات والماهيات المؤدلجة التي جرى، ولا يزالُ يجري، إسقاطها عليه في سياق تحفيز الانتماءٍ لفكرة عارضة، أو لعرض مؤقَّتٍ، أو لصفة أو سمة أو خصيصة متحوِّلة، أو لإطار تجميعيٍّ دينيٍّ أو عنصري أو طائفي أو مذهبي تمَّ ارتجاله بتسرُّع مُذهل، أو جرت أدلجتهُ على عجلٍ عبر توظيف ما هو جاهز ومتداول من تصوُّرات وأخيلة ومرجعيات موهومة تضمن توسُّعه وانتشاره في النَّاس المستهدفين به، ليُجْعَلَ محوراً يرتكزُ عليه التعريف المراد تصعيدة والإعلاء من شأنه بغية تكريسه والأخذ به وسيلةً لتحقيق غايات أنانيّة تُجافي مقاصد الإنسان الحقِّ إذْ تتأسَّس على عنصرية تعصبية مقيتة تتوخَّى إشباع جشعٍ يتفاقمُ، إنْ أُشبعَ، ليستدعي تطرُّفاً وإرهاباً لا يُفارقان دلالة التَّوحُّش التي ليس لحضورها في سلوك إنسانٍ إلا أنْ يُلغي إنسانيَّته!
وسيكون للتأمُّل المعمَّق، والمتشعِّب، في ما تبثُّهُ أو تنطوي عليه هذه المقاربات من أفكار متنوِّعة قابلة للاستنباط والتوليد، أنْ يؤهلنا لطرح فرض أوليٍّ مؤداه أنَّ في كُلِّ مسعى لإغلاق الهُويَّة الإنسانيَّة في إطار يتأسَّس على ثنائية مغلقة على نفسها، سواء أكانت متقابلة في تعارض صراعيٍّ تناحريٍّ منفلت من كل عقال أو متوازية في تجاوب ضمني مكبوح عن التفاعل الخلَّاق، ما يفضي، بلا ريب، إلى أخذ الإنسان بعيداً عن حقيقته، كإنسان، وربما إلى إكسابه نقيضها الموسوم، في كل حالٍّ، بالتَّوحش!