برحيله صدمني… لا لأن الموت مفاجئ، بل لأن الراحل كان أثقل من الغياب، وأكبر من أن يُختصر بنبأ، وأصدق من أن تُوفيه الكلمات حقه.
غسان عبدالفتاح أبو زعيتر، أبو العبد، لم يكن اسمًا عابرًا في المشهد الصحفي، بل سيرة وطن، وذاكرة مخيم، وضمير إنسان.
هو ابن مخيم جباليا، ابن الأزقة الصامدة، وخريج جامعة الأقصى، حمل علمه بتواضع، ومعرفته بمسؤولية، ولم يفصل يومًا بين دراسته ومهنته، ولا بين الثقافة والانتماء. خرج من الجامعة أكثر وعيًا بقضيته، وأكثر قربًا من الناس، وأكثر إيمانًا بأن الكلمة أمانة، والصورة شهادة.
عمل في الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني في غزة، لا كموظف، بل كصاحب رسالة. أتقن الحكاية بعدسته، وصان الوجع بصدقه، وكان صاحب استوديو التصوير في مخيم جباليا – بجوار منزله في بلوك 9 – ذلك المكان الذي لم يكن مشروعًا تجاريًا فقط، بل مساحة للذاكرة، وللفرح البسيط، ولتوثيق حياة الناس بكرامة.
وخلال حرب غزة عام 2023، أصابته شظايا القصف الصاروخي، فتسببت له بكسور في قدمه وساقه، لكنه لم ينكسر. واجه الألم بصبر الرجال، واحتمل الوجع بصمت الشرفاء، وبقي كما عرفناه: ثابتًا، هادئًا، محترمًا.
كان خدومًا بلا منّة، محترمًا بلا تصنّع، ابن بلد أصيلًا، قريبًا من الناس، حاضرًا في أفراحهم وأوجاعهم، لا يرد طالبًا، ولا يخذل محتاجًا. من عرفه أحبه، ومن عمل معه شهد له، ومن خالطه أدرك أن الطيبين لا يرفعون أصواتهم، بل يرفعهم أثرهم.
اليوم نودّع شهيدًا بطلًا، شهيد الكلمة والصورة والموقف. لم يحمل سلاحًا، لكنه حمل الحقيقة، ولم يسعَ للشهرة، فصارت سيرته هي الشهرة. رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقي الاسم محفورًا في المخيم، وفي المهنة، وفي قلوب من عرفوه.
رحمك الله يا أبا العبد…
رحم الله قلبك النقي، وخطاك المتعبة، وصبرك الجميل.
نسأل الله أن يتقبلك في الشهداء،
وأن يغفر لك، ويرفع مقامك،
ويسكنك فسيح جناته مع الصادقين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
سلامٌ لروحك… فقد كنت على قدر الأمانة.