تاريخ النشر: 2015-11-01 | 17:10
تاريخ النشر: 2015-11-01 | 17:10
مثل كل عام تأتي ذكرى وعد بلفور ، وتتكرر المقالات والأحاديث حوله، ومنذ تاريخ ذلك الوعد وحتى الآن لم يحدث شيئا جوهريا يغير حقيقة ما آلت إليه الأمور بعد هذا الوعد المشئوم سوى قيام السلطة الفلسطينية . فما هو الدور الذي لعبته حكومة الانتداب في تشكيل المنظمات الإرهابية الصهيونية ؟ ولماذا تخلصت بريطانيا من قضية فلسطين وانتدابها بأن رفعت إلى الأمم المتحدة ملف فلسطين؟ وما القضايا الخطيرة التي رفعها الكونت برنادوت مبعوث الأمم المتحدة في تقريره حول فلسطين فتسببت في قتله ؟ وما الذي أدى إلى تحول مركز دعم إسرائيل من بريطانيا وانتقاله إلى أمريكا، أمريكا التي ومنذ ذلك التاريخ تستخدم كل الوسائل المادية والمعنوية لتكون إسرائيل قوية ومتفوقة وفوق القانون الدولي؟
من الغريب أن تتملص بريطانيا من مسئوليتها القانونية والأخلاقية والسياسة عن نكبة فلسطين وهي التي صنعتها وبذلت كل ما في وسعها لحدوث ما حدث ثم وهكذا بكل سهولة ويسر تصبح بريئة مما اقترفت في حق شعب فلسطين أو يتم تجاهل دورها الأساسي وإلقاء كل المسئولية على أمريكا التي لا يبرأها أحد في سياساتها وننسى المسئول الأول والأساسي. وبفحص تاريخي لكل ما جرى أثناء الانتداب
تعتبر حكومة الانتداب هي من أسست وساهمت في إنشاء كثير من المنظمات الصهيونية العسكرية إن لم يكن جميعها؛ وذلك لمساندة بريطانيا في أمرين الأول قمع تظاهرات واحتجاجات وثورات العرب في فلسطين ضد حكومة الانتداب والثاني أن بريطانيا أرادت من هذه المنظمات مساندتها في صراعها خارج المنطقة. فمثلا من المنظمات التي ساهمت حكومة الانتداب في تشكيلها منظمة بارجيورا ثم الهاشومير سنة 1909 والنوطريم أسستها سلطات الانتداب مع الهاجانا للمساعدة في قمع الانتفاضات الفلسطينية التي قامت بين سنة1936و1939 والبلماخ واللواء اليهودي الذي تشكل أيضا بقرار من الحكومة البريطانية سنة1944 ،وقد كانت الهاجانا أكبر التنظيمات العسكرية وتخضع للوكالة اليهودية في حين كانت المنظمة العسكرية الصهيونية الثانية قبل عام 1948 هي اتسل والتي جاءت من أفكار جابوتنسكي وكان زعيمها مناحيم بيجن أما المنظمة الثالثة فهي منظمة ليحي وكان قائدها أبراهام شتيرن ،وحين أعلن عن قيام جيش الدفاع الإسرائيلي في زحمة المعارك سنة 1948 كانت منظمة الهاجانا التي ساهمت بريطانيا في تأسيسها هي أساس هذا الجيش ثم انضمت له منظمة ليحي ومنظمة اتسل .
ونتسائل لماذا رفعت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة قبل قليل من نهاية الانتداب؟ فقبل وبعد إعلان قيام إسرائيل في 15 مايو1948 تركزت أفكار حكومة الانتداب عل تحقيق سياستها في فلسطين بما يحقق مصالح دولة إسرائيل فقذفت ملف فلسطين إلى الأمم المتحدة متخلصة من مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية، فقد رأت حكومة الانتداب أن قرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين ستعفيها من مسئولياتها تجاه وعودها للعرب بالاستقلال، وتجاه فلسطين المنصوص عليها في صك الانتداب، ورأت أن قرارات الأمم المتحدة ستكون أقوي سياسيا ومعنويا من قرار بريطاني منفرد، وبهذا تساهم بريطانيا بأن تخرج من دائرة الإحراج مع العرب بصدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة، وكأن الأمر شأن وقرار دولي وليس بريطانيا، وفي هذا ما يحقق سياساتها التي عملت عليها طويلا في المنطقة من أجل تحقيقها وهي إقامة دولة لليهود مع بقاء علاقات طيبة مع العرب، لذا في 8 ابريل سنة 1947 أرسلت حكومة بريطانيا كتابا إلى الأمين العام للأمم المتحدة طلبت منه بالنص "إدراج قضية فلسطين في جدول أعمال الدورة العادية المقبلة للجمعية العامة ،ودعوة الجمعية العامة إلى عقد جلسة استثنائية لتشكيل لجنة خاصة للنظر في قضية فلسطين ،ووضع تقرير ورفعه إلى الجمعية العامة في الدورة العادية المقبلة".
ولكن لماذا قتلت المنظمات الصهيونية الكونت فولك برنادوت المبعوث الأممي الذي جاء لوضع مقترحات للحل بين العرب واليهود؟ إذ بعد قرار التقسيم واندلاع المواجهات بين العرب واليهود في فلسطين اختير برنادوت وسيطا من قبل الأمم المتحدة في 20/5/1948 بعد خمس أيام من إعلان دولة إسرائيل، وكانت مهمته وقف المواجهات بين الطرفين، وتطبيق قرار التقسيم. وقد نجح برنادوت في تحقيق الهدنة الأولى في فلسطين في 11/6/1948 ، وتقدم باقتراحات بشأن فلسطين للأمم المتحدة بأن يكون على أرضها كيانين، ووضع مواصفات لهذين الكيانين في ورقة تضمنت 12 بندا ،وأهم نقطتين أثارتا حفيظة الجانب اليهودي في هذه الورقة أولا بقاء القدس بأكملها تحت السيادة العربية ،مع منح الطائفة اليهودية في القدس استقلالا ذاتيا في إدارة شؤونها الدينية،وثانيا لسكان فلسطين إذا غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد واسترجاع ممتلكاتهم. وهاتان النقطتان هما اللتان لا تزالان جوهر الصراع منذ ذلك التاريخ وحتى الآن : قضية القدس وقضية العودة .وهاتان القضيتان هما اللتان تسببتا في أن اتفقت منظمة ارجون (مناحيم بيجن) وشتيرن (اسحق شامير) على اغتيال الكونت، ونفذت العملية في 17/9/1948 في القطاع الغربي للقدس حيث تعرضت سيارة الكونت برنادوت لإطلاق النار عليها من قبل 3 أشخاص فمات على الفور، وبذلك طوي ملف وساطة برنادوت مبعوث الأمم المتحدة .
وبعد 8 سنوات من قيام إسرائيل تحولت جماعات الضغط اليهودية من مركز ثقلها في بريطانيا إلى أمريكا ..فما حقيقة ودوافع هذا التحول؟
بعد حرب السويس سنة 1956 حدث تحول تاريخي في منطقة الشرق الأوسط ، وضعفت قبضة الاستعمار البريطاني وتقلص نفوذ بريطانيا في المنطقة ، ذلك بعد أن قامت بكل ما تستطيع لقيام وتأمين دولة إسرائيل، ثم بدأ يظهر الصراع الأمريكي الروسي حيث سعى كل منهما للحفاظ على مكتسباته التي حققها بعد الحرب العالمية الثانية ،واشتدت الحرب الباردة بين الطرفين،وأصبحت المنطقة العربية موردا أساسيا للنفط ،عندها بدأ اهتمام أمريكا بالسياسة الخارجية، وبدأت العمل على مد نفوذها خارج أراضيها ، فعملت على سياسة الاحتواء والردع وذلك لحماية المنطقة العربية من النفوذ الروسي وردع الوجود السوفييتي في المناطق التي تواجد فيها ،فكانت هذه السياسة تصب في مصلحة إسرائيل التي وجدت في أمريكا حليفا استراتيجيا حقيقيا ؛يحتاج إلى وجودها في وسط الوطن العربي لتصبح قريبة من منابع النفط وقريبة من حدود مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي، في هذا الوقت كان الاهتمام والنفوذ البريطاني في المنطقة قد تقلصا كثيرا، وأبقت بريطانيا جل اهتمامها وتركيزها على دول البترول، هذه المتغيرات الجوهرية في المنطقة سرعت بتحول مركز اهتمام اللوبي اليهودي من بريطانيا إلى أمريكا، خاصة بعد أن بدأوا يلمسون نفوذ بريطانيا وهو يتراجع في المنطقة ، وتاريخيا كان اليهود قد بدأو يفكرون في نقل مركز ثقلهم وتأثيرهم من بريطانيا إلى أمريكا بعد عام 1939 وهو العام الذي حاولت فيه بريطانيا بكتابها الأبيض الذي أصدرته حول فلسطين أن تحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ونستذكر أنه في عام 1942 كان هناك تأييد مطلق في مجلس الشيوخ لفكرة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، مما شجع أدوات النفوذ اليهودي على أن تتغلغل إلى المكونات السياسية الأمريكية وكسب أنصار لإسرائيل ،وازداد ذلك بعد حرب السويس وصراع القوتين الأعظم حتى أصبحنا الآن نرى بريطانيا وكأنها لا علاقة لها بما تسببته من نكبة للشعب الفلسطيني .ترى كيف يمكن أن نضع بريطانيا أمام مسئولياتها التاريخية والقانونية والأخلاقية ونحن نمر على الذكرى ؟ أم سيبقى المتهم الحقيقي مستمرا في لا مبالاته ؟