لم تعد الأزمة الفلسطينية مجرد أزمة سياسية عابرة، بل تحولت إلى أزمة وطنية عميقة تطال الفكر والإدارة والقيادة، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف نبني وطنًا، ونحن ما زلنا نختلف على مفهوم الوطن نفسه؟
لقد استنزفت سنوات الانقسام والصراعات الحزبية طاقات الشعب الفلسطيني، وأهدرت الفرص، وأضعفت المؤسسات، ورسخت حالة من الإحباط دفعت كثيرين إلى العزوف عن المشاركة في الشأن العام، وإلى الاعتقاد بأن التغيير مستحيل. لكن الحقيقة أن التغيير يبدأ من المواطن، من صندوق الاقتراع، ومن الإيمان بأن الصوت الحر قادر على صناعة الفارق.
إن مقاطعة الانتخابات ليست احتجاجًا على الواقع، بل قد تكون مساهمة غير مباشرة في استمراره. أما المشاركة الواعية، واختيار الأكفأ والأكثر نزاهة، فهي الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة السياسية وتصحيح المسار الوطني.
لقد نهضت أمم من تحت الركام لأنها غيّرت طريقة تفكيرها قبل أن تغيّر حكوماتها. فاليابان، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تبنِ معجزتها الاقتصادية بالخطابات، بل بجعل الوطن فوق كل اعتبار. وهذه هي المعادلة التي ما زلنا نفتقدها؛ إذ لا يزال البعض يضع الحزب قبل فلسطين، والمنصب قبل المواطن، والمصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة.
إن بناء الوطن لا يتحقق بالشعارات، ولا بالخطب الرنانة، ولا بالمزايدات الوطنية، بل برؤية استراتيجية واضحة، ومؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإدارة نزيهة، واقتصاد منتج، ومحاسبة حقيقية لكل من يعبث بالمال العام أو يستغل السلطة لمصالحه.
والمؤلم أن الساحة الفلسطينية تعج بالشعارات، بينما تفتقر إلى البرامج الوطنية القابلة للتنفيذ، فكم من مسؤول تحدث عن الإصلاح، بينما كان الفساد يتمدد؟ وكم من قائد رفع راية الوحدة، بينما كانت الممارسات تعمق الانقسام؟ وكم من سياسي تحدث باسم الشعب، بينما كان الشعب يغرق في الفقر والبطالة واليأس؟
إن أخطر ما يواجه المشروع الوطني الفلسطيني اليوم ليس الاحتلال وحده، بل استمرار غياب الرؤية، وضعف المؤسسات، وتغليب الولاءات الحزبية على الهوية الوطنية الجامعة، فلا دولة تُبنى في ظل الانقسام، ولا اقتصاد ينهض في ظل غياب الاستقرار، ولا استثمار يأتي إلى بيئة يغيب عنها القانون والشفافية.
إن فلسطين ليست ملكًا لفصيل، ولا لحزب، ولا لتيار سياسي. فلسطين وطن لجميع أبنائها، ولن يحميها إلا مشروع وطني جامع يقوم على الشراكة، والتعددية، وسيادة القانون، واحترام إرادة الشعب.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن ثقافة المحاصصة إلى ثقافة الكفاءة، ومن الولاءات الضيقة إلى الانتماء الحقيقي للوطن. فالأمم لا تتقدم بالشعارات، وإنما بالإرادة والعمل والإخلاص.
ويبقى الأمل معقودًا على وعي المواطن الفلسطيني، الذي يدرك أن صوته ليس مجرد ورقة انتخاب، بل أمانة ومسؤولية، وأن بناء الوطن يبدأ حين تصبح فلسطين هي الأولوية المطلقة، لا الحزب، ولا الشخص، ولا المصالح الضيقة.
فإذا لم نضع الوطن أولًا، فلن يبقى وطن نختلف عليه.