في الوقت الذي يواجه فلاديمر بوتين العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة والغرب، والتي قال عنها وزير المال الروسي أنطوان سلوا نوف إنها كلفت روسيا هذا العام 140 بليون دولار، فضلاً عن انهيارات أسعار البترول التي تمثل مصادره 70 في المئة من الدخل القومي الروسي، وتراجع قيمة الروبل بنسبة 90 في المئة أمام الدولار والذي وصفه مسؤولون روس بـ «الكابوس» الذي لم يتوقعه أحد...، في هذا الوقت يتحرك بوتين لتعويض هذه العقوبات ولكسر هذه العزلة، وكان طبيعياً أن يتوجه إلى الصين والهند، القوتين الرئيستين في مجموعة «بريكس» الصاعدة التي تضم كذلك البرازيل وجنوب أفريقيا.
ففي 9 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي زار بوتين بكين والتقى الزعيم الصيني شي جين بينغ، الذي سبق أن حضر أولمبياد موسكو، فيما قاطعه أوباما والقادة الأوروبيون، ورصد المراقبون «الكيمياء الشخصية» التي تجمع الرئيسين. في هذه الزيارة وقع الجانبان صفقة تصدير الغاز الروسي للصين، وقدرت بـــ400 بليون دولار لمدة 30 عاماً. وعلى رغم ضخامة الصفقة فقد وصفها سفير روسيا في واشنطن بأنها «مجرد بداية»، وقبل الزيارة وقع رئيس الوزراء الصيني في موسكو صفقة شاملة من المشروعات تضمنت 38 مشروعاً بينها صناعة الطائرات بهدف منافسة «بوينغ» الأميركية.
أما البعد الاستراتيجي في هذه الزيارة، فهو، كما قدَّره مراقبون، يتمثل في محاولة القوتين صياغة تحالف لمقاومة «الغطرسة الأميركية.»
ووقعــت روسيا مع الهند أخيراً 20 اتفـــاقاً، تضمنت تعهدات بزيادة التعاون الدفاعي واستكشاف مشاريع طاقـــة مشتركة جديدة في القطب الشمالي. ووفـــقاً لما ذكره رئيس وزراء الهند فقد وضـــعت رؤية طموحة للطاقة النووية لبناء 10 مفاعلات نووية إضافية على الأقــــل، وسوف تزود روسيا محطة في كـــودانكولام في جنوب الهند بمفاعلين، ودفع وإحياء اتفاقيتين وقعتا عامي 2008 و2010 لتزويد نيودلهي بكثير مـــن المفاعلات. وخلال الزيارة وافقــــت روسيا على تصنيع واحدة من أكثر مروحيـــاتها تطوراً في الهند التي تسعى إلـــى تطوير قطاع التصنيع فيها، كما وافقـــت على المضي في مشروع تأخر كثيراً لــتطوير مشترك لطائرة نفاثة. وقال رئيـــس الوزراء الهندي الذي كان يستعد لاستقـبال الرئيس أوباما، إن روسيا «تبقى أهم حليــف في مجال الدفاع بعد أن تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر بائع للسلاح إلى الهند»، وأضاف أن روسيا «كانت أهم شريك دفاعي طوال عقود، وعلى رغم تزايد خيارات الهند اليوم، تبقى روسيا أهم شريك لنا».
وعلى رغم عضوية تركيا في حلف الناتو، الذي يشارك في عزلة روسيا، زار بوتين تركيا في 1/12/2014 حيث وقع مع نظيره التركي اتفاقات اقتصادية قدرت بأكثر من مئة بليون دولار، وعلى رغم القضايا العالقة بين البلدين فإن ثمة اتفاقاً على تجاوزها لدفع العمل المشترك، ومن أبرزه مفاعل نووي تركي تقوم ببنائه شركة «روسي اتوم». وهناك أيضاً حجم السياحة الروسية إلى تركيا الذي وصل إلى 4.3 مليون سائح سنوياً يشكلون جزءاً مهماً من إيرادات تركيا السياحية. وثمة توقع لمزيد من التقارب في العلاقات الاقتصادية في ضوء سعي تركيا إلى شراء النفط الروسي كي تعوض انخفاض شحنات النفط من إيران نتيجة للعقوبات المفروضة عليها.
ويستعد بوتين لزيارة مصر، ويتوقع أن يعيد إحياء استثمارات الحقبة السوفياتية في هذا البلد، وتوسيع مبيعات السلاح لتشمل الشرق الأوسط كله، ويتصور أن علاقات متطورة مع مصر يمكن أن تعزز مواقع روسيا في المنطقة.
ثمة ملاحظة أخيرة على اتجاه بوتين شرقاً، خاصة مع الصين في المستويات التي بلغتها سياسياً واقتصادياً وتجارياً. فهل نقول إن مشروع الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لإدخال روسيا الجديدة في النظام الأوروبي قد فشل، أم أن تدهور العلاقات مع روسيا دفعها إلى بناء تحالف مناقض مع الصين؟
* المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية.
عن الحياة اللندنية