في اليوم الأول لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، الذي عُقد في الفترة من 18 وحتى 20 حزيران الجاري، أثار وزير المالية الروسي السابق، ألكسي كودرين، جدلا كبيرا باقتراح تقديم موعد انتخابات الرئاسة القادمة في روسيا. ويُطالب كودرين عمليا بانتخابات رئاسية مبكرة من أجل إجراء إصلاحات اقتصادية عميقة في البلاد على خلفية ما يراه من تدهور اقتصادي متواصل. ومن المعروف أن موعد الانتخابات الرئاسية في روسيا يحلُّ رسميا في العام 2018. ومن المعروف أيضا أن الكرملين لا يستبعد حاليا «التبكير» بالانتخابات البرلمانية في روسيا. ويرى كودرين، المقرب من بوتين وصاحب التوجهات الليبرالية في الاقتصاد، أن روسيا تنزلق إلى الركود نتيجة تأثرها بالعقوبات الاقتصادية الغربية بسبب الأزمة الأوكرانية، وفي ظل تراجع الأسعار العالمية للنفط، الذي حرم ميزانية الدولة من مصدرها الرئيسي للإيرادات.
واللافت أن المسؤولين الروس يحاولون في الفترة الأخيرة التقليل من تأثير العقوبات المفروضة على روسيا في تصريحاتهم العلنية. فخلال المنتدى المذكور، عمل مسؤولو الحكومة الروسية على إقناع المستثمرين المحليين والأجانب بأن الاقتصاد الروسي في وضع أفضل مما كان يبدو عليه قبل بضعة أشهر. كما أن الرئيس فلاديمير بوتين حاول التأكيد أثناء المنتدى أن روسيا تمكنت من تجنب أزمة اقتصادية عميقة، وأن السلطات الروسية تمكنت من ضمان استقرار سعر صرف العملة من دون اللجوء إلى تقييد حركة رؤوس الأموال في البلاد. وقال بوتين في كلمته أمام الجلسة العامة لمنتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي: «في نهاية العام الماضي توقعوا لنا أزمة اقتصادية عميقة، وهذا الأمر لم يحدث حيث تمكنا من ضمان استقرار الوضع والسيطرة على الآثار السلبية». وأشار الرئيس الروسي إلى أن الحكومة الروسية تمكنت من السيطرة على التضخم بعد ارتفاع كبير في الأسعار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري. وفي ما يتعلق بالعقوبات الغربية، أكد بوتين أن «بلاده سوف تواجهها بمزيد من الانفتاح والحرية الاقتصادية وليس بالانكماش». ولكن في ظل هذه التصريحات «المتفائلة»، نجد وزارة المالية الروسية تُطالب بالمزيد من تقليص النفقات الحكومية على البرامج الاجتماعية لغالبية السكان.
ويعتقد أليكسي كودرين أن المرحلة الأسوأ من التدهور الاقتصادي في روسيا لم تنته بعد، ويُطالب بإصلاحات اقتصادية جوهرية. ومن المعروف أن كودرين يدعو إلى مزيد من تعميق الإصلاحات الليبرالية الاقتصادية ويعارض زيادة النفقات العسكرية للدولة الروسية. ويقول كودرين: «عندما نتحدث عن الإصلاحات الهيكلية، فالأمر لا يتعلق بكتابة بعض الوثائق فحسب، بل نحتاج إلى إرادة سياسية وفريق ورئيس يتبنى كل تلك الأفكار». وكان كودرين قد أُقيل من منصبه كوزير للمالية في العام 2011، بسبب خلافات مع الرئيس دميتري ميدفيديف آنذاك، والذي يشغل حاليا منصب رئيس الحكومة الروسية.
ويرى العديد من الاقتصاديين الروس، بمن فيهم كودرين نفسه، أن الاقتصاد الروسي منذ الولاية الثالثة للرئيس فلاديمير بوتين من 2012 وحتى الانتخابات الرئاسية القادمة في 2018 ستكون حصيلة نموه في حدود 1.5 في المئة، وفي أحسن الأحول سيكون معدل النمو هذا نحو 2 في المئة فقط. ووفقا للتكهنات الأخيرة للبنك المركزي الروسي، فإن الاقتصاد الروسي سينكمش في 2015 بـ3.5 في المئة ـ 4 في المئة، وفي 2016 بـ1 في المئة ـ 1.6 في المئة. ولكن البنك المركزي الروسي يعتقد أن الاقتصاد الروســي سيعاود النمو مجددا بمعدل يتراوح بين 5.5 في المئة و6.3 في المئة في العام 2017، بشرط تخفيف أو إلغاء العقوبات الغربية وارتفاع أسعار النفط العالمية.
ومن غير المعروف ما إذا كان كودرين قد ناقش مقترح إجراء انتخابات رئاسية مبكرة مع الرئيس الروسي أم لا. فبوتين، الذي تولى فترة رئاسية ثالثة في 2012، قد لمّح مؤخرا الى أنه على استعداد لخوض الانتخابات الرئاسية في العام 2018 والبقاء لولاية رئاسية رابعة، أي حتى العام 2024. ومن غير المعروف أيضا ما إذا كان مسؤولون آخرون بالكرملين يتفقون مع كودرين في ضرورة التبكير بالانتخابات الرئاسية أم لا. ولكن المعروف، حاليا، أن دميتري بيسكوف، السكرتير الصحافي للرئيس الروسي، قد امتنع عن التعليق على اقتراح ألكسي كودرين، ولكنه لم يستبعد احتمال بحثه من قبل الخبراء إلى جانب أفكار أخرى. بيد أن سيرغي ايفانوف، مدير الديوان الرئاسي الروسي، رفض علانية مقترح وزير المالية الروسي السابق بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، معتبرا أن هذا «الاقتراح ليس له أي معنى». وبالروح نفسها، تحدث سيرغي ناريشكين، رئيس مجلس الدوما، الذي أعلن «أنه لا ضرورة لمثل هذه الانتخابات الرئاسية المبكرة».
قد تكون دوافع كودرين من اقتراحه المذكور، كما يُرددُ البعض، تتمثل في محاولة «إنقاذ» فلاديمير بوتين في ظل توقعات بتدهور أكبر في الاقتصاد الروسي مع حلول الموعد الرسمي للانتخابات الرئاسية في العام 2018. وقد يكون الأمر متعلقا بــ «صراعات» في صفوف المحيطين بالرئيس الروسي نفسه داخل الكرملين، علما أن كودرين أعلن أنه لا يطمح للترشح للمنصب الرئاسي في حال إجراء الانتخابات المبكرة. لكن طرح إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في روسيا من قبل أحد المقربين للرئيس الروسي قد يعني في ما يعني أمرا من اثنين: إما أن يكون بوتين قد قرر ترك المنصب الرئاسي مبكرا والعمل على تهيئة هذا المنصب لأحد أعوانه المقربين، وإما أنه يستعد لإجراء تغيرات في النظام الحالي ويعمل بالتنسيق مع كودرين على نيل مباركة الروس لما ينوي الإقدام عليه عبر انتخابات رئاسية مبكرة، يُعاد فيها انتخابه مجددا لست سنوات مقبلة. واللافت أن هذا الجدل حول الانتخابات الرئاسية المبكرة يجري في ظـــل ما يتردد عن وصــول شعبــية فلاديمير بوتين إلى مستوى «تاريخي غير مسبوق»، حيث أعلن مركز «ليــفادا» لاستطلاع الرأي في روســيا مؤخرا أن 89 في المئــة من المواطنين الروس يُباركون أداء الرئيس في منصبه.
عن السفير