تدخل تركيا العام الجديد وهي تواجه تحديات غير مسبوقة في الداخل والخارج . ولا شك في أنه بقدر ما يكون الداخل مستقراً يمكن تجنب الأخطار الخارجية .
وفي نظرة إلى الاستحقاقات الداخلية تواجه تركيا استحقاقين انتخابيين فائقي الأهمية يمكن أن يتحولا إلى ثلاثة استحقاقات .
الأول هو الانتخابات البلدية التي ستجري في آخر مارس/آذار المقبل . وستكون هذه الانتخابات التجربة الأولى لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة رجب طيب أردوغان بعد الاهتزازات التي أصابت سلطته من جراء أحداث تقسيم وفضيحة الفساد الأخيرة . وقد رد أردوغان على معارضيه بعد فضيحة الفساد بتحديهم في صندوقة الاقتراع في الانتخابات البلدية . والانتخابات البلدية هي الامتحان الأكثر صعوبة لأردوغان من الانتخابات النيابية حيث تتحكم عوامل محلية وعشائرية وعرقية ومذهبية فيها تبعاً لكل محافظة ومدينة . وقد تراجعت أصوات العدالة والتنمية ست نقاط في انتخابات 2009 عن انتخابات 2004 البلدية، وبالتالي فإن تهديدات جدية تواجه العدالة والتنمية . وسوف ترنو الأبصار تحديداً إلى ثلاث مدن رئيسية وهي أنقرة واسطنبول وأزمير حيث يسعى العدالة والتنمية إلى إضافة أزمير إلى رصيده، فيما يحاول حزب الشعب الجمهوري المحافظة على أزمير مع انتزاع اسطنبول وأنقرة من حزب العدالة والتنمية . كذلك ستدور رحى معركة قوية في دياربكر حيث يريد أردوغان التأكيد أن شعبيته بين الأكراد ليست ضعيفة، بل قابلة لتجاوز شعبية حزب السلام والديمقراطية المؤيد من حزب العمال الكردستاني .
والاستحقاق الثاني هو انتخابات رئاسة الجمهورية في أغسطس/آب من العام المقبل . وفي ضوء نتائج الانتخابات البلدية سوف يحسم أردوغان مسألة ترشحه لرئاسة الجمهورية . فإذا كانت النتائج جيدة وبفارق كبير عن المعارضة لمصلحة حزبه فسوف يكون ترشيحه محتملاً جداً . وإلا فإنه سوف يغير النظام الداخلي لحزب العدالة والتنمية من أجل أن يبقى لولاية رابعة على رأس الحزب ويخوض به الانتخابات النيابية لعام ،2015 ويترك ربما الرئيس عبدالله غول يترشح للمرة الثانية لرئاسة الجمهورية . ويتم الحديث عن سيناريو آخر وهو أنه إذا حقق أردوغان نتائج جيدة في الانتخابات البلدية فقد يدعو إلى انتخابات نيابية مبكرة بعدها مباشرة، أي بين مايو/أيار ويونيو/حزيران ومن ثم يترشح هو لرئاسة الجمهورية بعدما يكون قد ضمن حضوراً قوياً لحزب العدالة والتنمية في البرلمان والحكومة ولا يكون رئيساً لحكومة ضعيفة ولو من حزبه .
بمعنى أن الخريطة السياسية الحزبية والسياسية في تركيا مرشحة لتحولات ستترك أثرها في المشهد السياسي التركي خلال السنوات الخمس المقبلة على الأقل .
وبطبيعة الحال يلعب الصراع على تركيا دوراً مهماً في تغير اتجاهات الريح خصوصاً بعد الصدام الذي حصل بين أردوغان والولايات المتحدة واتهامه لواشنطن بأنها وراء تفجير فضيحة الفساد الأخيرة لإسقاطه . ذلك أنه إذا وصلت العلاقات بين العاصمتين إلى هذه الدرجة من الاتهامات فإنها مرشحة لمزيد من التوتر والضغوط على أمل أن ينعكس ذلك من قبل خصوم أردوغان تراجعاً في شعبيته في صندوق الاقتراع . وفي ظل انكفاء الاهتمام التركي في العام 2014 بالتطورات الداخلية فإنه يتوقع ألاّ تحمل التطورات أي جديد بالنسبة إلى حل المشكلة الكردية حيث لن يغامر أردوغان بمنح الأكراد أية تنازلات لن تضيف أي صوت كردي له، على اعتبار أن الكتلة الكردية موحدة خلف أحزابها الكردية، وفي الوقت نفسه سوف يخسر أصوات الكثير من القوميين .
إن تركيا في العام 2014 ستكون بلداً منكفئاً على الداخل وشجونه، ولن يكون عند قادتها الوقت للمتابعة الدقيقة للتطورات الإقليمية ولا سيما في المنطقة العربية، لكن مع محاولات محدودة لفتح المزيد من النوافذ مع دول كانت على خصام معها، مثل العراق وإيران، ومع غموض على ما يمكن أن يكون عليه موقف أنقرة من التطورات في سوريا في ظل تقدم قوى المعارضة المدعومة من دول على علاقات سيئة الآن مع تركيا.
عن الخليج الاماراتية