يحتاج ما حدث الأسبوع الماضي في زيوريخ، على هامش انتخابات رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، إلى وقفات؛ بعضها بشأن تفاصيل ما حدث في التصويت، وبعضها الآخر يتعلق بمجمل الصراع العربي-الإسرائيلي، أو الفلسطيني-الإسرائيلي.
ما كان ساراً في طلب الفلسطينيين في الاتحاد الدولي مقاطعة إسرائيل، هو أنّه خطوة لمعاقبة المعتدي نفسه بمنعه وحرمانه مما يمنع المحتَل منه. وبهذا المنطق، فإن منع حرية الحركة، والاستثمار، والبناء.. إلخ، الذي يُمارس ضد الفلسطينيين، يمكن أن ينال الطرف الإسرائيلي مثله، وذلك على عكس المنطق الفلسطيني الرسمي السائد حتى الآن، بعدم المطالبة صراحة بمقاطعة إسرائيل، وإنما فقط مقاطعة استيطانها في الضفة الغربية.
بات ممكنا رؤية قيادات صف أول وثانٍ في حركة "فتح" والسلطة الفلسطينية في مناسبات فنية من نوع "آراب أيدول"، ومباريات كرة القدم، فيما لا يبدو مشهداً مفهوما للجميع. إذ تتوقع شرائح واسعة على الأقل، أن يروهم أكثر في مجالات أخرى أكثر توتراً وصراعية مع المُحتَل. رغم ذلك، بقي الباب مفتوحاً للجدل بشأن أهمية هذه المحافل. وكان قرار جبريل الرجوب مؤخرا ملاحقة إسرائيل في "الفيفا" خبراً ساراً للفلسطينيين، باعتبار ذلك فاتحة لباب ملاحقة إسرائيل رياضياً وثقافيا وأكاديمياً وسياسياً، والخروج من مجرد الحديث عن مقاطعة المستوطنات بدلا من مقاطعة كل الكيان الاحتلالي المستوطن الاستعماري. لكن ما حدث في زيوريخ يفتح باب التساؤل لسؤال قديم-جديد، لا يبدو واضحاً كثيراً على سطح الجدل بشأن إسرائيل واحتلالها.
من وجهة نظر موضوعية، يصعب في ضوء المعلومات الجزم بما حصل في زيوريخ. ومن دون وجود دليل، لا بد من التسليم بإعلان الرجوب بشأن تصويته للأمير علي بن الحسين، ضد جوزيف بلاتر، في تنافسهما على رئاسة الاتحاد دولي.
ما نقلته وكالة أنباء "عمون" عن الرجوب بشأن انتقاده الحاد لبلاتر، وتوضيحه "صدفة" رفعه سيفا هدية له، وهو بجانب بلاتر، لا بد من رؤيته بجانب أنّ بلاتر كان ضيفا مرحبا به عادة في فلسطين، وهناك أكاديمية رياضية، في مدينة البيرة، يشرف الرجوب عليها، سميت باسم أكاديمية جوزيف بلاتر، تكريماً له على مساعدته للفلسطينيين. إذن، وبتسلسل منطقي في التفكير، لا غضاضة من مجاملة بلاتر إذا كان قد قدم فعلا الشيء الكثير للرياضة الفلسطينية. وهذا موضوع منفصل تماماً ومختلف عن التصويت للأمير علي.
أمّا بشأن الموضوع السياسي المرتبط بالصراع، فقد أوضح الرجوب أنّه "لم يتم سحب طلب مساءلة إسرائيل من أدراج الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، بل تم تأجيل النظر في القرار، حيث سيتم تشكيل لجنة دولية من الاتحاد للوقوف على عنصرية الاحتلال ضد الرياضة الفلسطينية وضد الرياضيين والأندية الفلسطينية، وللتحقيق في تجاوزات إسرائيل تلك"، وأن التحقيق سيجري بشأن أندية المستوطنات.
هذا المنطق منسجم تماماً مع الموقف الرسمي الفلسطيني، الذي يطالب بمقاطعة المستوطَنات، ولم يصل بعد، بداعي اتفاقيات باريس وأوسلو وموازين القوى الدولية، للمطالبة بمقاطعة الاحتلال نفسه وكيانه-دولته، التي تقف خلف الاحتلال والاستيطان.
إلى ذلك، فإنّ ما حصل هو أيضاً تجسيد لجزء من مأزق "أوسلو". فالدول المانحة والممولة، التي ربطت عملية أوسلو الشعب الفلسطيني بها، أو استدرج الفلسطينيون للارتباط بها، هي ذاتها الجهات التي قد تعطل المطالب السياسية الفلسطينية، وبلاتر (بالاستناد لكلمات الرجوب) تجسيد لذلك. فهو انتقد بلاتر لموقفه من المطلب الفلسطيني بإقصاء إسرائيل من الاتحاد، ولكن الصداقة معه والامتنان له ولمساعداته، وحتى لانتقاداته للإسرائيليين، أمور لا يمكن محوها من سجل الخطاب الرسمي الفلسطيني الرياضي، وربما لا يجب محوها أصلا. ولكن هذا نموذج لمنطق الخطاب الأوروبي الغربي حتى الآن؛ دعم للفلسطينيين ماليا ومادياً، وحتى انتقاد إسرائيل وبشدة أحياناً، ولكن عندما يأتي الأمر لدفع إسرائيل ولو لثمن فعلي بخس إزاء جرائمها وسياساتها، فإنّ المعارضة والتردد يبرزان، ويحاول الأوروبيون "التوسط" مع الاحتلال، ويخفض الفلسطينيون سقف مطالبهم وتوقعاتهم.
الذي رفع سقف التوقعات، وأوجد الفرصة، والذي خفضه، هو الرجوب نفسه.
لقد كانت هناك فرصة لخطاب مغاير وضروري، وسياسة تقوم على حشد شعبي عالمي لمواجهة إسرائيل لتدفع ثمن سياساتها. وكان موضوع الرياضة مدخلا ملائما جداً، حتى لو رفض الرسميون في أول تصويت لهم.
عن الغد الاردنية