تاريخ النشر: 2015-11-27 | 22:19
تاريخ النشر: 2015-11-27 | 22:19
منذ ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" داعش وتمدده، والمحاولات المتعجلة لا تتوقف عن تفسير هذه الظاهرة دراسة متأنية، وفهمٍ عميق للخلفيات والأرضيات التي أسهمت في نشوء هذه الظاهرة. فقد حظى تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، والذي أعلن الخلافة، وبات يسيطر على المشهد السياسي والعسكري في سوريا والعراق، ويحمل تهديدًا واضحًا لدول أخرى، باهتمام العديد من الباحثين والخبراء الامنين والاستراتيجيين نظراً لسرعة انتشار التنظيم وخطورته وقدرته على الضرب في أي مكان وعدم توقع خطواته القادمة.
لذلك تأتي هجمات باريس والتي هي عبارة عن سلسلة من الهجمات وعمليات القتل الجماعي التي حدثت في مساء يوم 13 نوفمبر 2015 في العاصمة الفرنسية باريس لكي تثير الكثير من علامات الاستفهام والتساؤلات حولها. فهل هذه التفجيرات مجرد عملية نوعية أم استراتيجية جديدة بنقل المعركة لقلب أوروبا؟
فقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته يوم السبت14/11/2015م عن الهجمات التي وقعت في باريس ليل الجمعة وخلفت 127 قتيلا قائلا إنه أرسل مقاتلين يرتدون أحزمة ناسفة ومسلحين ببنادق رشاشة للهجوم على مواقع متعددة في قلب العاصمة الفرنسية. وأضاف التنظيم في بيانه أن فرنسا ستبقى على رأس أهدافه مادامت استمرت في سياساتها الحالية. وذكر أن هجماته في باريس ما هي إلا رد على حملة فرنسا على مقاتليه وسب الرسول محمد.
و من وجهة نظري تقوم استراتيجية تنظيم داعش الجديدة على نقل المعركة إلى أرض الخصم، من خلال الضرب بقوة في عمق أوروبا، بهدف الضغط على أوروبا من أجل تخفيف الضربات الغربية على التنظيم في المنطقة العربية، وفي هذا السياق كشف خبير الاستخبارات المقيم في ألمانيا جاسم محمد عن دخول نحو "600" عنصر ومستشار من داعش إلى قلب أوروبا خلال موجة المهاجرين الضخمة في الشهرين الأخيرين، وهو الأمر الذي أقر به تنظيم "داعش" عبر تويتر، واعترفت به تسريبات استخباراتية غربية. ورجح محمد أن يكون قد تم ادخال الأحزمة الناسفة التي استخدمها منفذو الهجمات في باريس من الخارج خلال موجة اللجوء من تركيا، لا سيما وأن اللاجئين لم يخضعوا لعمليات تفتيش ومراقبة طيلة رحلتهم من تركيا وحتى السويد، وفقاً لشهادات اللاجئين. وأوضح أنه من المستحيل تصنيع أحزمة ناسفة في داخل فرنسا واوروبا، لأن اعدادها يحتاج إلى مادة "C4"، ومواد متفجرة غير متاحة بالأسواق، مُبيناً أن منفذي هجمات باريس هم عناصر يحملون الجنسية الأوروبية ويعيشون بها.
لذلك قد تعتبر هذه العملية بداية تغيير في استراتيجية تنظيم داعش، وتحول في الاهداف المعلنة من خلال انتقال مركز العمليات الي اوروبا، بعد التضييق عليها في سوريا والعراق وسيناء والمناطق الاخرى بهدف نقل المعركة للقارة العجوز، من أجل ارغام الدول الاوروبية على وقف الضرابات الجوية التي تحاول الحد من قدرة التنظيم على السيطرة علي مناطق شاسعة في الدول العربية، وتوسيع نطاق تواجد التنظيم لكي يشمل أوروبا وامريكا، بما يعني أن التنظيم أصبح ظاهرة عالمية وليس مجرد تنظيم اقليمي.
وقد تترك هذا الاستراتيجية الجديدة لتنظيم الدولة الاسلامية " داعش" تداعيات خطيرة على المنطقة العربية والقضية الفلسطينية، فقد حذر الكثير من أن أحداث 13 نوفمبر في فرنسا قد تكون محاولة لإعادة نفس السيناريو لتشريع غزو دول أخرى في المنطقة، ففي يوم السبت 14/11/2015م نشرت صحيفة “فورين بوليسي” الأمريكية تقريرًا لها تعليقًا على حادث أكدت فيه أن دول حلف الناتو استخدمت القوة الناعمة في وقت طويل خلال الفترة السابقة، إلا أن الهجمات الأخيرة في باريس تثبت أن هذه القوة أصبحت نظرية متأخرة للقضاء على داعش في الشرق الأوسط، وأضافت الصحيفة أن الحكومة الفرنسية تستعد لاستجابة عسكرية محتملة، لحلفاء فرنسا العسكريين في حلف الشمال الأطلسي – بما في ذلك الولايات المتحدة – مؤكدة أنه سيكون من الحكمة أن تستوجب لذلك في ضوء حقوقها بأن تستعين بحلف شمال الأطلسي، للعب دور هام في التنظيم لعمل عسكري كبير ضد التنظيمات الإرهابية التي تزعزع استقرار العالم، بما يعني أمكانية عمل عسكري بري تحت قيادة حلف الناتو، وبمشاركة عدد من الدول العربية، من أجل مواجهة هذه الظاهرة التي باتت تؤرق الجميع.
ومن جهة أخرى، لقد حاولت اسرائيل استغلال هذه العمليات وتوظيفها بما يخدم مصالح حكومة اليمن المتطرف في اسرائيل، من خلال الربط بين تفجيرات باريس الدموية والممارسات الإرهابية للجماعات المسلحة، وبين المقاومة في الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، بهدف تشويه صورة النضال الوطني الفلسطيني ووصمه بالإرهاب والتملص من عملية السلام، واستغلال هذه الأحداث في بناء العديد من المباني في المستوطنات.