لوحظ أن الحملة العسكرية لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، تلاحقها يوماً بيوم عمليات تحليل وتقييم من خبراء، ومن مراكز الفكر السياسي في دول الغرب . ومع متابعة النتائج الأولية للمواجهة ضد التنظيم الإرهابي، فإن هؤلاء الخبراء يكادون يتفقون على نقطتين رئيسيتين: أولاً: أن العمل العسكري وحده لا يكفي، وإنما لا بد من التصدي للفكر الإرهابي ذاته، ولمن يروجون له .
ثانياً: إن هناك دولاً إقليمية تتعرض لأعمال إرهابية، وإن لم يتمثل في "داعش" بالتحديد، لكنه يأتي من منظمات، قد تختلف في الاسم، ولا تختلف عن تفشي السلوكيات الإرهابية، وفي تبنيها الفكر نفسه . وهو ما يفرض دعم هذه الدول، حتى تكون الشراكة في مواجهة الإرهاب، عملية تبادلية، وليست فقط من منظور المصلحة الأمريكية .
وما دامت أمريكا ودول الغرب، قد دخلت في مواجهة مع الإرهاب ممثلاً في تنظيم "داعش"، فإن من المفيد قراءة التعريف الأمريكي الرسمي لمعنى الإرهاب . وعلى ضوئه يتضح مدى التزام الاستراتيجية الأمريكية، بالمعايير التي وضعتها هي نفسها .
وتقول المبادئ التي صاغتها الولايات المتحدة: "الإرهاب هو الاستخدام المتعمد للعنف، أو التهديد بالعنف، لتحقيق أهداف ذات طبيعة سياسية، أو دينية، أو أيديولوجية، من خلال التخويف، أو الإكراه، أو إثارة الفزع" .
معنى هذا أن الالتزام السياسي، والقانوني، والأدبي، من جانب الولايات المتحدة، يفرض عليها استهداف الإرهاب عامة، كظاهرة وممارسات، أيا كانت المنظمات التي تتبنى أفكاره، وتمارسه، وأن تواجهه باستراتيجية متكاملة، وإلا كان تركيزها على فصيل واحد، لمجرد أنه استهدف مواطنين ومصالح أمريكية، وتجاهل ما عداه من نوعيته نفسها، يعد عملاً قاصراً عن بلوغ الهدف المعلن منه .
وقد تعددت المراكز التي تناولت مسار الاستراتيجية الأمريكية ضد "داعش"، ونتائجها في الفترة الأخيرة، وكان من بينها مركز التقدم الأمريكي (Progress Center For American) وهو من أحدث مراكز البحوث السياسية، ومعروف عنه قربه من أوباما .
ويقول في تقريره: ينبغي ألا تكتفي الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، بالعمل العسكري وحده . بل لابد من وجود استراتيجية متكاملة، لا تتجاهل الخطوات الأخرى، الدبلوماسية، والاقتصادية، المطلوبة لهزيمة جماعات الإرهاب والتطرف . لأن هزيمتها تقتضي عملاً منسقاً، يقوّي مواقف دول إقليمية، تواجه الإرهاب على أرضها . وأن تقدم أمريكا المساعدات العسكرية والفنية، لدعمها في هذه المواجهة .
ومن الدراسات المهمة، تلك التي كتبها الأدميرال المتقاعد جو فاساي، مؤسس "منتدى الباسفيك للأزمات"، وهو مركز أمريكي لبحوث للسياسة الخارجية .
ويقول: إن الضربات الجوية ضد "داعش"، تبدو منطقية، لأنها سوف تشتت القدرات التعبوية ل"داعش"، لكنها لن تسدد ضربة قاصمة لها، إذا لم تكن هناك قيادات ميدانية تنسق العمليات العسكرية ضدها .
وهذا الرأي اتفق معه كثير من المحللين، الذين انتقدوا وجهة نظر أوباما، الرافض لإرسال قوات برية إلى العراق . وإن كانت هناك تقارير أشارت إلى قرب اتفاق رؤساء عشرين دولة مشاركة في التحالف الدولي، على التدخل بقوات برية . وهو اتجاه يختلف مع المواقف المعلنة سلفاً لأوباما .
في الوقت نفسه اعترف الجنرال ديمبسي رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، بأن الوضع يؤكد الحاجة إلى قوة برية غير أمريكية لمواجهة "داعش"، مع مشاركة مستشارين عسكريين أمريكيين بدور مباشر . على الأرض في العراق . ويعني كلام ديمبسي أن أمريكا تميل إلى أن تكون القوات البرية تابعة لدول أخرى .
من ثم يبدو أن أي تغيير في استراتيجية التحالف الدولي، يستخلص دروسه من التجربة الميدانية، وهو ما كان ينبغي استيعابه من البداية، لو أن الاستراتيجية الأمريكية تكاملت أبعادها، ورؤيتها، باحتوائها لكل جماعات الإرهاب، التي تعد جبهة واحدة، متساندة، حتى وإن اختلفت المسميات . وهذا ما تحدث عنه أخيراً تقرير لمؤسسة "راند" الأمريكية، بقولها إن القاعدة، والمنظمات الأخرى المتأثرة بها، وبفكرها، تنشط الآن في أماكن متفرقة .
إن مصطلح "الحرب على الإرهاب في العالم"، كان الرئيس رونالد ريغان أول من أطلقه عام ،1984 كرد فعل للهجوم الذي فجر مقر المارينز في بيروت عام 1983 .
وأعاد جورج بوش إطلاق التعبير نفسه بعد أحداث سبتمبر ،2001 وكان المعنى المقصود منه، هو استئصال القاعدة، وغيرها من المنظمات المتطرفة، التي تتبنى تفكيرها نفسه .
والذي حدث أن "القاعدة" لا تزال تنشر الإرهاب، وتفرعت عنها جماعات عديدة، حتى ولو لم تكن مرتبطة بها تنظيمياً، إلا أنها مرتبطة بها فكرياً، وأيديولوجياً، لأن الولايات المتحدة أوجدت تمييزا بين إرهاب وإرهاب، فهي تغاضت عن جماعات ثبت عليها بكل الأدلة أنها إرهابية، لكن كونها قد وضعت نفسها في خدمة المصالح الأمريكية، هو ما ميزها، بتطبيق أمريكا لازدواجية المعايير . وكان ذلك من الأسباب التي أتاحت لجماعات إرهابية، الاستمرار في تهديد الأمن والاستقرار للشعوب العربية . وهو ما نشهده جلياً، في ليبيا، والعراق، وسوريا، واليمن، ومصر، وخصوصاً في سيناء .
عن الخليج الاماراتية