تاريخ النشر: 2017-11-27 | 00:31
تاريخ النشر: 2017-11-27 | 00:31
يعدُّ التملقُ مرضًا أخلاقيًّا مُزمنًا ، يصيب النفس البشرية ، ويَنخَر في عَضُدِ أمتِنا ، من السرطانات التي تسوسُ نُخاعَ الإنسان القِيَمي ، فبه تُخرقُ المبادئ لمجرد اللهث وراء المنفعة الذاتية ؛ للحصول على ما أُرِيدُ بدون تعب أو جهد ، بل الأدهى والأمرُّ أن بعض الناس أصبح التملقُ عندهم مبدأً ، ويعتبرون ما يتحقق من هذا الفعل المذموم إنجازًا ونجاحًاً !
فما الذي يجعل البعض يلجأ إلى التملق؟ وما السبيل إلى التخلُّص من سوء هذا المرض الخبيث؟
إذا كانت الغاية من التملق كسبَ رضا الناس ، فكسب رضا رب الناس يغنيك ، فبأخلاقك وتعاملك الإنساني الخالي من المصلحة الذاتية تُمنَحُ حب من حولك بشكل طبيعي دون تقديم تنازلات.
استاء جداً من الرجل الذى اعتاد ان يتعامل معي بلطف زيادة اهتماماً وترحاباً عندما التقيه في اية مناسبة عامة او خاصة ، وحقيقة كنت أحسب انه رجل محبوب وعلى نياته ، وأجد له مساحة من التقدير في داخلي ، فالرجل ما ان ادخل على عزاء او فرح ويلمحني حتى يتكفل تماماً بأمري جلوساً وضيافةً وتعريفاً ببعض آل الميت ، وكل شوية يحضر لي واحد (يا استاذ عزى فلان هذا ابن اخو المرحوم) ، وللأمانة استحى واتضايق احياناً ، فأنا لست وزيراً او رجل دولة مهم او حتى فنان (مشهور) او شاعر او كاتب مشهور ، فأنا انسان بسيط جداً بساطة اسعى لها واهتم بها لأنها درجة من درجات التواضع ، ومن تواضع لله رفعه !
ولم تكن ممارسات ما ذكرت محصورة علي انا فقط عند هذ الرجل بل عرفت فيما بعد انها ديدنه في التعامل مع كثير من معارفه ، والراجل اصبح شبه مريض نفسياً بهذه الخصلة الذميمة وغير المستحبة عند الكثيرين!!!! والحج ابو عبود رحمه الله كان شيخ طيب رجل عرف عنه الزهد والتواضع رغم انه من كبارات رجال الدين ولفترة طويلة كان احد رجال الاوقاف ، ولم انس على الاطلاق ونحن في ريعان الشباب نتعلم منهم كل ما هو مفيد وعظيم ، دخل على العزاء في حينا الشعبي الجميل (الوايلي) قابله شخص مثل رجل يجيد التملق ويكثر المزاح نهض اليه مسرعاً ، وقبل ما يكمل السلام والعزاء لأهل الميت طلب منه الجلوس في صينية الغداء الجاهز ، خاصة أنه كان للتو حاضراً من البندر ، فانتهر بجدية (يا رجل هووا نحن جابيين نعزى مش جابيين نأكل خلينا نكمل مقابلة الرجال وقال له الم تسمع ما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله "إن من خاف من الله خافه كل شيء ، ومن كان مع الله جعل الخلق كلهم معه ، ومن اطاب مطعمه ومشربه استجاب الله دعاؤه" .
، فتلك قيم وشيم أكابر القوم ومدارس الصالحين ، فالتملق صفة يتسم بها العديد من الناس ، شخصيات تتخذ من التملق سبيلاً للوصول الى المبتغى الدنيوي .
التملق فن صعب جداً يجيده المتملق الذى يتسم بالصبر والتركيز، ويعرف كيف يخطط بشكل ممتاز للوصول للهدف المنشود ، يتحمل الإهانات ويقبل كل أنواع التعليقات السخيفة ، والمتملق هو شخص يبحث عن مصلحته حتى ولو كانت بين فكي أسد ، يفعل المستحيل وكل ما هو مباح وغير مباح ليحصل على مبتغاه ، وذكر الشاعر البريطاني جون ميلتون التملق بأنه صفة تخص الشيطان ، والشاعر الإيطالي دانتي قال إن المتملقين مكانهم في الحلقة الثامنة من جهنم مع الطغاة والقتلة والتملق ليس صفة تقتصر على بني البشر بل تتصف بها القردة التي يلجأ بعضها إلى المداعبة من أجل التقرب إلى البعض الآخر طلبا لإحراز تقدم في وضع معين أو في علاقة ما ، ولم يسلم الفراعنة من صفة التملق ، فقد أحبوا أنفسهم وتملقوها عندما ظنوا أن باستطاعتهم هزيمة الموت وتحقيق الخلود ، واعتقد الإغريق القدامى أن تملق الحاكم لشعبه يعد أكبر خطر يهدد الديمقراطية التي صدروها إلى العالم ... وربما كان الدليل على ذلك الرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي عندما وجد نفسه في أزمة قد تطيح به تملق شعبه الأميركي وقال لهم إنهم يدركون الصواب دائما ، وقد صدقوه والتفوا حوله لأنه أرضى غرورهم وهناك في الطرف الآخرمن يرى أن قليلا من التملق لا يفسد عقل متلقيه ، فإذا أراد رجل أن يستمع إلى من يؤكد له أنه أكثر ذكاء من الآخرين ، وإذا أحبت امرأة أن تستمع إلى من يؤكد لها أنها أكثر جمالا مما هي عليه في الواقع ، فما الضرر في ذلك إذا كان هذا القليل من التملق يشعر متلقيه بأنه في حالة نفسية أفضل ؟.
وعلى سبيل المثال فالموظف يتملق مديره يثني على كلامه وحركاته وتصرفاته مهما كانت صبيانية وغبية ، يثني على ذوقه الرديء جداً ويشيد بعمله التافه ويشجعه على أخذ الرشاوى ويشجعه على بيع الترقيات ، ويكون كلب مديره المدلل ، وإذا غضب المدير يقدم له وجنتاه لينفس المدير عن غضبه ، تعلموا يا هؤلاء هكذا يكون المتملق مما يجعل منه شخصاً متملقاً فالزوج يتملق زوجته عندما تكون أغنى منه ونسبها أعلى شأناً من نسبه ، ففي حضورها يكون محباً ولطيفاً وظريفاً ، وهي تحس وهي معه بأنها اظرف واجمل والطف واعذب امرأة في العالم ، ويظل يتملقها الى ان يكسب ثقتها ، لا تفكروا انه سيغير معاملته لها ، ابداً انما سيزيد تملقه ليكبر تألقه ، ويصير بطلاً في عينيها حتى تسلمه زمام الأمور كلها ، وكذلك الحال عند الزوجة فهي تتملق زوجها في حالات معينة ، عندما تريد شراء شيء باهظ الثمن ، فتقوم بالثناء على زوجها لمدة شهر كامل وتعامله بكل لطافة وتستقبله بابتسامة عريضة ، وتلبس أحسن الثياب وتنسى شيئاً اسمه العصبية ، وتصنع له اشهى المأكولات ، وتتملقه لمدة اسبوع قبل زفاف احداهن او لمدة سنة قبل الاجازة السنوية ، وهكذا تظل تتملقه الى ان تقضي مصالحها ، وعندما تقضي الغرض تكشر عن أنيابها وتعود (ريمة الى عادتها القديمة) ، لكن تملقها دائماً يؤدي الى تألقها ، ونجد التلميذ يتملق استاذه ليحصل على معدلات عالية ، فيكون عينه التي ترى وأذنه التي تسمع مع الطلاب، فيوصل له الأخبار، وآخر التطورات بين صفوف الطلاب ، يوصل له آراء طلابه فيه ، وآخر الألقاب التي لقبوه بها وزملاؤه الأساتذة ، يمسح التلميذ سبورة المعلم ، ويحمل حقيبته وغيرها كثير ـ فيصبح الطالب المتملق ، وتتملق الناس المودرن الموضة ، ولأجلها يتحملون البرودة ، ويلبسون آخر الصيحات، حتى لو ظهروا وكأنهم قد نجوا من كارثة طبيعية ، فالموضة سيدة الموقف وصاحبة القرار، ومن يخالفها متخلف ومتأخر، فلذلك يهرع الجميع لاتباع أمنا الموضة حتى لو اضطروا الى لبس شورت في عز البرد ، فعلاً تملق لتتألق، والتملق أحياناً يفيد ، وفي أحيان أخرى كثيرة يجعل الإنسان يتخلى عن كثير من مبادئه للوصول الى مبتغاه ، وقد يجدي التملق أحياناً وينقذ البعض من مواقف محرجة جداً، قد يفيد التملق على المدى القصير، لكنه حتماً ولا بد أن يضرنا على المدى البعيد .
وخلاصة القول أني لا أبغض أحدًا في الله كبغضي لمن يتملق ليتسلق ! فبعد كشف أحابيل مكر المتملقين والتحذير منهم ، تأتي خطوة التخلص من شناعة أمر هذا الصنف بالبتر؛ أي: باعتزالهم ، وعدم التعامل معهم ، وقد يكون هذا - حسب وجهة نظري - أفضل قرار صحيٍّ يتخذه المرء في حياته تُجاههم بعد فضحهم .