تاريخ النشر: 2022-12-27 | 18:49
تاريخ النشر: 2022-12-27 | 18:49
تقع جرائم الفساد باختلاف أنواعها في كل الدول بغض النظر عن طبيعةِ وشكلِ نظامها السياسي، وتختلف الدول بطريقة معالجة وسرعة إستشعار مواطن الضعف واكتشاف الخلل والمخالفات لتوفر قضاء مستقل وأجهزة رقابية فعالة وصحافة حرة.
أُجبرت قائد شرطة مدينة تامبا في ولاية فلوريد الامريكية "ماري اوكونور" على الاستقالةِ بعد أن تبين أنها خرقت سياسة ومدونة سلوك الشرطة، وفشلت في تشكيل مثالا للعاملين الآخرين، بمحاولتها الإفلات من مخالفة مرور بعد توقيف مركبة يقودها زوجها برفقتها، والطلب من الشرطي السماح لهم بالمرور بعد التعريف عن نفسها كقائد للشرطة وابراز شارتها، وأعلن عمدة المدينة إخضاعها للإجراءات القانونية وتطبيق قواعد التأديب الملائمة عليها، ووعد بمراجعة قواعد التعيين والتدقيق بها وتوسيع الجهات المشاركة في إجراءات التعيين.
من جهة أخرى أُدين مسؤولين سابقين بينهم رؤساء حكومات ووزراء وقادة أمن في دول عربية عدة بجرائمِ اختلاس وإساءة استخدام للسلطة. ولم تكتشف جرائمهم إلا بعد فترة من إنهائهم مهامهم الوظيفية بالتقاعدِ أو الإقالة أو الاستقالة، فمن النادر أن يعلن عن اعتقال أو التحقيق مع مسؤول رفيع في بلد عربي أثناءَ أداء مهامه الرسمية لأسباب عدة أهمها: عدم وجود رقابة فعّالة نتيجة لضعف مؤسسات الرقابةِ المختلفة كالبرلمانات وأجهزة الرقابة المالية والإدارية التي تبحث أسباب القصور والكشف عن عيوب النظم والمخالفات التي يرتكبها الموظفون اثناء مباشرتهم أعمال وظائفهم، وعدمِ انتشار ثقافة المساءلة فيها، إضافة إلى ثقافةِ السرية السائدة، حيث يتم التذرع بالسرية لحجب المعلومات والحيلولة دون اكتشاف الفساد.
كما أن الولاء في دول العالم الثالث للأشخاص "المسؤولين" وليس للدولةِ والوطن، وتغييرُ الشخص صاحب المنصب يعني تبديل جهة الولاء للمسؤول الجديد، حيث يبدأ العاملون وأصحاب العلاقة مع المسؤول السابق بالكشف عن مثالبِه وأخطائه وفساده في محاولة لكسب ثقة المسؤول الجديد، أو لحماية أنفسِهم من الملاحقة في حالِ الكشف عن جرائم الفساد. وهذه حالة قد تساعدُ وتفتح المجال للبعض لاستغلال مخالفات المسؤولينَ السابقين في تصفية حسابات سياسية وشخصية، والتشكيك في مدى نزاهة الملاحقات القضائية للفاسدين. وخوف المطّلعين على جرائمِ الفساد من انتقام وبطش الفاسدين في حالة الإبلاغ عن جرائمهم، ولعدم توفر قنوات خارجية موثوقة للإبلاغ، وعدم توفر الحماية والضمانات للمبلغين من الانتقام والعقوبة، وعدم وجود وسائل اعلام حرة تستطيع فضح الفاسدين وكشف الخلل.
ملاحقة الفاسدين أياً كانت وظائفهم ومراكزهم ومحاكمتهم، مؤشر على أن لا حصانة لأحد يخالف القانون، وجرائم الفساد لا تسقط بالتقادم، إلا أن عملية مكافحة الفساد تتطلب رقابة فعالة كي لا يبقى الفاسدون سنوات في مناصبهم ينهبون مقدرات الشعوب ولا تتم محاسبتهم أو اكتشاف فسادهم إلا بعد أن يتركوا مناصبهم، كما يجب منحِ حصانة حقيقية للمبلغين عن الفساد، وتعزيزِ الشفافية فيما يتعلق باتخاذ القرارات ووضع آليات مناسبة لمراجعتها، مع ضرورة تمكين أجهزة الرقابة والتفتيش من الوصول إلى المعلومات، وتفعيل البرلمانات ومنحها صلاحيات كافية تمكّنها من إجراء التحقيقات والوصول إلى المعلومات للكشف عن الفساد. وفي النهاية لا بد من أن يأخذ المسؤولون العبر "فلو دامت لغيركم ما وصلت إليكم"
رابط صورة الكاتب