الساحة الفلسطينية كعادتها تتنوع اخبارها بين اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية واقتحامات المسجد الأقصى المبارك ومشاريع الاحتلال التهودية والتصريح ببناء كنيس يهودي وحدائق توراتية تحاصر اسوار القدس العتيقة وكأنها تؤكد على حقائق دامغة ان لا تنازل عن القدس في أي تسوية سلمية او مفاوضات سلام مستقبلية ومصادرة اراضي الفلسطينيين وتعزيز النشاط الاستيطاني المحموم في كل شبر من الاراضي المحتلة والتغافل عن اعتداءات المستوطنين وترك ايدهم يعبثون ويعيثون فسادا و قتلا و خراباً و حرقاً و تدميرا وتهديدا مرورا بما يتعرض له قطاع غزة المحاصر منذ9 اعوام من ازمات ومشاكل بفعل الحصار الاحتلالي واعتداءات دموية كان اخرها صيف العام 2014م وما نتج عنها من تدمير واسع للبني التحتية ومكونات الحياة المدنية وبقاء عشرات الالاف من سكان القطاع بلا مأوي يعيشون ظروفاً انسانية معقدة مع البطء الشديد في ملف اعادة اعمار ما هدمته آلة القتل الاحتلالية , وانتشار الفقر والبطالة وازمات تزدحم فيها غزة تمس ابسط حقوق المواطنة والانسانية والآدمية ويكثر الحديث عن قرب اعلان اتفاق تهدئة بين حركة حماس ودولة الاحتلال وفق بنود يتم مناقشتها في اطر الحركة ومن ثم تنسيق المواقف مع الفصائل الأخرى وصولاً لاتفاق حول التهدئة مع الاحتلال من عدم جدواها وفق ما هو معروض من مقترحات جاء بها موفد الرباعية "طوني بلير"
وكان الاجدر بالرباعية الدولية ان تتدخل وتعمل لأجل دعم الحقوق الفلسطينية الثابتة و الراسخة وتجسيد بناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس على حدود الرابع من حزيران من العام 1967م تنفيذاً للقرارات الصادرة عن الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي منذ القرار 194 ومرورا بالقرارين 242 و338 وهذا لم يحدث بعد مرور 13 عاماً علي ولادة اللجنة الرباعية في العام 2002م وقيام موفدها "طوني بلير" بزيارات عديدة لمنطقة الشرق الاوسط بهدف دعم مساعي السلام وعودة المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني و الاحتلالي دون ان يتم ذلك بسبب تعنت الجانب الاحتلالي وتنكره لاستحقاق ارساء سلام في المنطقة واستمراره في مصادرة الاراضي الفلسطينية لصالح بناء جدار الفصل العنصري و التوسع الاستيطاني وتهويد القدس وعدم الالتزام بشروط استئناف المفاوضات على قاعدة تحديد سقف زمني لبداية و نهاية المفاوضات ونقاط التفاوض الجوهرية محل الخلاف ووقف البناء في المستوطنات واطلاق سراح اخر دفعة من اسري ما قبل اتفاقية اوسلو والبالغ عددهم 26 اسيرا من اصل 104 تم اطلاقهم على ثلاث دفعات تمنع دولة الاحتلال فك اسرهم وتتمسك القيادة الفلسطينية بشروطها الاساسية للعودة لطاولة المفاوضات بإطلاق دفعة الاسري ووقف التوسع الاستيطاني وهذا ما يمثل عائقاً امام المفاوضات دون ان تتمكن الرباعية الدولية من ارغام دولة الاحتلال على وقف الاستيطان الذي ازداد وتضاعف وتصاعدت معه حملات المداهمة و الاعتقال ما تضع هذه الحقائق سؤالاً عن مدي جدوي وجود الرباعية الدولية وما الذي حققته من انجازات لصالح القضية الفلسطينية منذ نشوئها..!؟ ..مع ذلك يطل موفد الرباعية الدولية برأسه من جديد ويتم تسليط الضوء على ذهابه وعودته وما تحمله حقيبته من مقترحات وافكار يسارع الى مناقشتها مع غزة وتل ابيب وعواصم عربية و اقليمية و اطراف دولية تتمحور حول اتفاق تهدئة طويلة الامد تمتد ما بين 5 الى 10 سنوات بين حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة ودولة الاحتلال التي تحتل وتحاصر القطاع وتمنع التنقل منه والية وتغلق معابره وتمنع الانتقال السلس للبضائع والسلع والمواد الخام منذ حصارها في شهر يونيو من العام 2006م ويأتي الحديث عن التهدئة بعد ما يقارب العام من انتهاء الاعتداء الهمجي على غزة صيف العام الفائت 2014م خلال الفترة الواقعة بين 8/7 وحتى 26/8/2014م حيث توقفت بعد مفاوضات ماراثونية غير مباشرة بين الوفد الفلسطيني الموحد لفصائل العمل الوطني و الاسلامي برئاسة عزام الاحمد وممثلين عن دولة الاحتلال واجهزتها الامنية تمت برعاية مصرية في القاهرة وكان مطروحاً آنذاك على اجندة التفاوض وقف كامل لإطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال ورفع الحصار البري والبحري عن غزة وانشاء ميناء بحري واعادة بناء مطار غزة الدولي" الشهيد عرفات" الى ان تم الاتفاق على وقف اطلاق النار و تأجيل القضايا الأخرى للتفاوض لاحقاً بعد وقت يحدد لذلك وهذا ما لم يتم بعد توقف الاعتداء الدموي وبعد مرور ما يقارب العام على الاعتداء تزدحم وسائل الاعلام وتتابع بشغف زيارات "بلير" الى المنطقة واجتماعاته هنا وهناك وتقديم مقترحات عن تهدئة طويلة الامد بمقابل رفع الحصار وانشاء ممر بحري بين غزة وقبرص يحقق مطالب ضيقة.
"طوني بلير" لم يأت بجديد فيما يخص التهدئة الطويلة الامد بكل تفاصيلها وسبق ان تم ادراجها ضمن جدول المفاوضات الغير مباشرة الخاصة بوقف اطلاق النار بين الوفد الفلسطيني الموحد والجانب الاحتلالي برعاية المخابرات المصرية وفي حينه تم ارجاء كل ملفات التفاوض والمطالب الفلسطينية الي جولات تفاوضية غير مباشرة بعد وقف اطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم 26/8/2014م الساعة 7 مساءا بعد 51 يوماً اعتبرت الاصعب و الاعنف والاكثر دموياً والتي ترجم خلالها الشعب الفلسطيني في غزة معني الصمود و التضحية رغم حجم المعاناة والظروف الصعبة المهيمنة لتستفيق غزة على المجزرة و المحرقة والبيوت المهدمة والاف اللاجئين وانعدام سُبل الحياة الكريمة وتبقي غزة محاصرة وتأن علي مسمع الرباعية الدولية والامم المتحدة ومجلس الامن الدولي والجنائية الدولية وللقارئ ان يسمي ما يشاء من المنظمات و المؤسسات الدولية بعضها نعرفها و اخري لا نعرفها.! ورغم مؤتمر المانحين الذي عُقد منتصف تشرين اول من العام 2014م في القاهرة وتبني المؤتمرين اعادة اعمار غزة بقي هذا الملف المهم والضروري يراوح مكانه بِفعل الكثير من التعقيدات التي تضعها دولة الاحتلال واخري بسبب التباينات و الاختلافات وحسابات السياسة دون الاخذ بعين الاعتبار الحاجات الضرورية لغزة واهلها وهذا ما ظهر من خلال المواقف المُعلنة من حكومة الوفاق الوطني حيث لم تتمكن الاخيرة من بسط نفوذها و الاضطلاع بمهامها وبقيت الاوضاع في غزة كما هي مع حضور للانقسام بكل تجاذباته و تراشقه الاعلامي وتبادل الاتهامات ما يُفسر رؤية حكومة غزة التهدئة واللعب علي وترها مع دولة الاحتلال ما يسمح برفع الحصار كلياً ويُوجد ممر بحري بينها و بين قبرص واعادة الاعمار وهذا من شأنه ان ينعش غزة ومهم وضروري لها وبحاجة ماسة الي تنفيذ كل ما يتم الاتفاق ولكن الاهم ان يكون بتوافق وطني شامل من شأنه ان يجعل من التهدئة حالة عامة بمعني ان تشمل التهدئة الضفة الغربية و القدس وغزة وفق اتفاق شامل يجتمع عليه الكل الفلسطيني وتعمل حركتي فتح وحماس القوتان الابرز على الساحة الفلسطينية وفق اليات موحدة تنهي الانقسام وتُوحد الشعب الفلسطيني و تنطلقا معا نحو تبني استراتيجية وطنية عليا مع كل الفصائل لا تنحصر في تثبيت تهدئة في غزة فقط وترك العنان للاحتلال وقطعان المستوطنين ليصولوا و يجولوا ويستبيحوا الارض و العِرض في مدن الضفة وانما تسهيل عمل حكومة الوفاق الوطني ومنحها كل التسهيلات لتعمل و تُحسن من الواقع المأساوي في غزة التي تعيش بسجن كبير لا كهرباء ولا مياه صالحة للشرب فيه وبيوتها مهدمة وتنتشر فيها الازمات و المشاكل وتعقيدات الحياة وهنا..! هل لفصائلنا الفلسطينية ان تتعلم من تجارب سابقة .؟ وان تضع نُصب اعينها وفي ضمائرها مصالح الشعب الفلسطيني اولا كما يعلمها كل طرف ممن يحاول التدخل لأجل غزة وهو الهدف المُعلن..! ولكن الغير مُعلن تعكسه طبيعة العلاقات وتشابك المصالح مع تنامي المحور القطري التركي بموازه مصر التي تشوبها التوتر و المناكفات على غرار ما يحدث في مصر ومواقفها من جماعة الاخوان المسلمين وهنا تحاول قطر وتركيا والرباعية الدولية الوصول لاتفاق تهدئة قد لا تكون مصر لاعباً اساسياً خاصة مع المعطيات وما يرشح من تصريحات ولقاءات وهنا أي تهدئة ستكون بِمعزل عن الشقيقة مصر لن يُكتب لها النجاح طويلاً لأن علاقاتنا مع مصر لا يحددها المعبر فقط مع حاجتنا المُلحة لبقائه مفتوحاً على مدار اليوم ولكن الامر يتعدى ذلك الي لعبة الساسة و السياسة وتأثيراتها بالنظر الى ما تحققه من اهداف وطموحات ورغبات وامنيات خاصة بالالتفاف علي الدور المصري وسحب البساط من الرعاية المصرية الحصرية للملف الفلسطيني وهذا صعب المنال رغم ما تكرار المحاولة والتغلب على مشكلة المعبر بممر بحري لن يكون امناً خاصة مع خضوعه لرقابة "الناتو"..! وهو لن يكون ارحم ولا اخلاقي اكثر من جيش الاحتلال فالأوامر العسكرية لا تعرف الرحمة و لا الشفقة و تعمل وفق ما تؤمر به خاصة مع عدم انتماءها للقومية او الدين و لا العروبة.. وخلاصة القول ان الحالة الفلسطينية بحاجة الى اعادة تقيم سياساتها والاخذ بعين الاعتبار المصالح العليا لشعبنا الفلسطيني و العمل الوحدوي للخروج من منزلقات الانقسام وقطع الطريق على "بلير" وغيره ممن يأتوا تحت مسميات لن تعمل الا لصالح دولة الاحتلال وتسعي لضمان امنه و استقراره على حساب التناقضات و التجاذبات و الاستقطابات البائنة التى تترك بظلالها على مجمل الواقع الفلسطيني ونعززها نحن بانفسنا وهنا دعوة غزة التى توحد ابناءها في الحرب و المحن وذابت بينهم الفصائلية و الحزبية وغاب عنها الانقسام ولو وقتاً محددا خلال الهجمة الشرسة على قطاعهم الحبيب يقول لسان حالها الاهم قبل التهدئة مع الاحتلال ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وتبني قضايا الوطن كله رزمة واحدة وعدم الانصياع لإملاءات ذلك الطرف اوذاك وانما الانصياع والانحياز للمصلحة الوطنية بالارتكاز على كل مكونات شعبنا وانتزاع الحق الاشمل و الاعمق و الاعم بالضغط موحدين على الاحتلال و الرباعية و الخماسية و 5+1 لنيل حقوقنا وعدم اختزالها في تهدئة في غزة هي فعلياً بحاجة لها ولكن لن تكون بحاجة لها ان كان الثمن كبير..