منذ انطلاق الثورة وهناك سيل من المبادرات طرحتها اطراف مختلفة من شخصيات مدنية وسياسية مستقلة ومنظمات مجتمع مدني فضلا عن مبادرات المعارضة والمبادرات الدولية ، لم يكتب النجاح لأي منها على اي حال اما لوجود نقائص بها او لعدم قدرتها على تحقيق اجماع من الاطراف المتصارعة في الداخل السوري او لان القوى الاقليمية والدولية لم تكن راضية عنها وهو الامر الذي جعل الجميع يتريث قبل ان يعلن عن مبادرة جديدة .
اخر المبادرات المطروحة بشدة و التي تحولت الى مشاريع هي المصالحات المحلية التي طرحها النظام السوري ومبادرة دي ميستورا اضافة الى المبادرة الروسية تشترك جميعا بأنها تقدم اما رؤية النظام في سورية او رؤية قريبة له ، وقد انطلقت هذه المبادرات في مرحلة يسودها انهاك عام لدى كل اطراف المتورطة في الصراع فمن ناحية نظام الاسد في اسوا حالاته فالجيش فقد نصف عناصره منذ بدا النزاع بسبب الانشقاقات وحالات الفرار اضافة الى الخسائر البشرية والموالون له شرعوا في التذمر لسببين هما حجم الخسائر التي تحملوها ،ومن نفوذ الايراني المتعاظم المستفز وهو ما جعل النظام يلجأ الى اجراءات يائسة للحفاظ على قاعدته المؤيدة عبر عدد من الاجراءات تهدف الى استرضائها مثل تقديم تعويضات للمتضررين لترميم منازلهم التي تعرضت للقصف ومنحهم اولوية في التوظيف من خلال تخصيص 50 بالمئة من المناصب لأهل القتلى من الجيش في مسابقات التوظيف اضافة الى تسويق انتصارات الجيش والتأكيد على قرب نهاية الحرب .
والمعارضة ايضا في حال سيئة فهي تعاني من مشاكل مختلفة مثل الانقسامات وضعف التنظيم والتدريب وغياب الاسلحة القادرة على احداث تغيير في موازين القوى فبعدما كانت خططها تقضي لإحداث حسم عسكري تغيرت الى تحقيق انتصارات من اجل تحسين موقعها التفاوضي و
من ناحية اخرى إيران مستنزفة وروسيا تعاني على عدة جبهات و اوروبا منقسمة على نفسها في التعامل مع نظام الاسد ، في حين ان امريكا مشغولة تماما بالحرب على داعش في ظل اجندات متصارعة ففي الوقت الذي تؤكد وزارة الخارجية على ضرورة رحيل الاسد يبدو ان مجلس الامن القومي اكثر استعدادا لتقبله كأمر واقع .
في هذا الاطار جاءت مبادرة المصالحات المحلية التي انطلقت بدءا من عام 2012 لكنها اكتسبت زخما في الفترة الاخيرة وقد تم تطبيقها في عدد من المناطق السورية و هي تتضمن وضع اتفاق هدنة بين الجيش النظامي والمليشيات المقاتله الى جانبه والجماعات المسلحة المعارضة ، بما يعني انه يمكن للجيش الحر وباقي الجماعات المعارضة استرداد انفاسهم وتجنب حالات القصف والقتل والاستهداف المنهجي للمدنيين لكن هذه المصالحات لا تقدم اي افق لحل سياسي شامل فهي مجرد وقف للقتال ونزع للسلاح ، اضافة الى عدد من الاشكاليات تتعلق بان اغلبية الاهالي لا يملكون اي فكرة عن الجهة التي تمثلهم في الاتفاق وان كانوا لا يتقبلون مبدأ عقد هدنة ، فضلا ان المناطق التي عقدت هدنا لم تتحسن ظروفها ما يزال اهاليها يعانون من ممارسات النظام والتضييق على الحريات ، اذن كل ما حدث ان النظام تفرغ لضرب المناطق التي رفضت عقد هدن وجدد معلوماته الاستخبارتية عن المناطق التي تمت فيها المصالحات .
اما مبادرة دي ميستورا فهي ليست بعيدة عن مبادرة المصالحات المحلية فهي ترنو الى تجميد القتال مع الابقاء على الوضع العسكري دون تغير فهي لا تتناول بند نزع السلاح و تركز على مدينة حلب وهي المدينة التي كان يأمل البعض ان تكون عاصمة للثوار اضافة الى السماح بمرور المساعدات الانسانية ، ولكن هذه المبادرة حادت عن الخط العام للجهود المبعوثين السابقين فهي تبحث عن حلول جزئية وانجازات سهلة بدل البحث في حل سياسي نهائي يحقق مطالب المعارضة ، و اهم جزء لا يمكن تفسيره في هذه المبادرة يتعلق بالإجراءات العقابية التي سيتم اتخاذها لو خرق احد الاطراف هذا "التجميد " ،ومن سيشرف على تنفيذها ، اذ لا توجد اشارة من بعيد ولا قريب لهذه المسألة .
في حين ان المبادرة الروسية جاءت على نحو غير متوقع عندما كان الجميع بانتظار ان يسدل الستار على المبادرة المصرية التي تم تسريب اخبار عنها لوسائل الاعلام قبل ان يصرح المعنيون ان مصر لا تملك مبادرة وان كل ما يمكنها ان تفعله هو ان تجمع اطراف من المعارضة والنظام للتباحث والتوصل الى تسوية في ظل دعم مصري لفكرة الحل السياسي للازمة السورية ، حتى ظهرت المبادرة الروسية التي يشوبها عدد من المثالب اولها يتعلق بان روسيا ليست طرفا محايدا فهي التي دعمت الاسد عسكريا وسياسيا واستعملت الفيتو لحمايته من قرارات مجلس الامن ، ثانيها غموض المبادرة فيما يخص قضايا جوهرية بالنسبة للمعارضة من ضمنها مصير الاسد و نتائج جنيف 1 و2 ، ثالثها اعلان اطراف من المعارضة مثل الاخوان رفضهم لها وهو ما يعني ان المعارضة لن تكون ممثلة بكل اطيافها ، كما ان الدعوة للاجتماع في موسكو ليست مفتوحة للجميع كما يبدو .
العرض السابق يوضح ان هذه المبادرات ليست افضل ما يمكن تحقيقه لتسوية الازمة السورية لكن هذا لم يمنع من تحويلها لمشاريع يتم التسويق لها وبذل جهود من اجل تجسيدها على ارض الواقع ، خصوصا في ظل وغياب مبادرات افضل ، وميل العالم للتخلص من عبئ الازمة السورية بأي طريقة التي لم تعد اهم اولوياته في الشرق الاوسط بسبب الانشغال بالحرب على داعش .