قد يفاجأ البعض وعلى الأخص من تشغلهم متابعة الأولمبيّات وأيّ الدول المستضيفة للمونديال، أو آخر الأفلام والمسرحيات ـ مع احترامي للفنون الجميلة المهذبة والرياضة غير الشاغلة ـ عن مراجعة التاريخ وسير الأعلام والحروب والثورات، لو علم أنّ الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر اليوم أعظم دولة في العالم، كانت بالأمس وبالتحديد منذ أواسط القرن الثامن عشر مستعمرة من قِبل بريطانيا العظمى أو من كانت تسمى بالأسد البريطاني وسيدة البحار في ذلك الحين! وقد عاملت سكانها معاملة المستعمر المستبد، وفرضت عليهم الضرائب الباهظة بحجة حمايتهم من هجمات الفرنسيين الذين كانوا أيضاً يسيطرون على كندا المجاورة من جهة الشمال! لينتفض السكان ويثور ثوارهم ويحاربوا المستعمر البريطاني رافعين وثيقة استقلالهم التي جاء فيها:" إنّ الناس جميعاً قد خُلقوا أحراراً متساوين، وإنّ الخالق قد وهب لهم حقوقاً لا تحويل عنها ولا تبديل: منها حق الحياة وحق الحرية والتماس السعادة، وتقوم الحكومات بين الناس لضمان هذه الحقوق مستمدةً سلطتها من رضا المحكومين، ومن حق الشعب أن يغيّر نظام الحكم أو يلغيه إذا انحرفت الحكومة عن هذه الأهداف" هذا وكانت شعاراتهم ونداءاتهم لا تختلف عن نداءات وشعارات المقاومين للاستعمار والثائرين على الظلم والاستكبار في كل مكان؛ إذ يقول أحد قادة ثورتهم وهو (توماس جيفرسن):
" ينبغي أن تروى الحرية من حين إلى حين بدماء الوطنيين والطغاة لكي تزدهر!" فما أشبهه بما عبر عنه شعراً بعد سنين ذلك الشاعر العربي المصري الثائر على المستعمر الإنجليزي أيضاً في بلاده حيث قال:
وللحرية الحمراء بابٌ ** بكل يدٍ مضرّجةٍ يُدَقُّ !
لكن ما إن يمض القرن والثلث على استقلال الأمريكيين وإقامة ولاياتهم المتحدة التي بلغت الخمسين فيما يقرب من نصف قارة أمريكا الشمالية، حتى تقوم الحرب العالمية الأولى(1914ـ1918) ثم تليها الثانية (1939ـ1944) والتي تنضم فيها الولايات المتحدة إلى معسكر الحلفاء بما يضم من قدامى المستعمرين، فتضرب بقنابلها الذرية مدينتين كبريين من مدن اليابان، لتدمّرا ويهلك فيهما ما يزيد عن عشرين ألف نسمة في ساعة واحدة! فتستسلم اليابان ليقام عليها أول استعمار أمريكي (نوعي)، وقد نسيت هذه الولايات العظمى ما كانت عليه قبل سنين، وما عانت من استعمار وناضلت من أجل الاستقلال.. نعم وتنكرت لمبادئ وثيقة استقلالها؛ حتى ذهبت بعد ذلك لتخوض حرباً شرسة ضد فيتنام الشمالية استمرت نحو عشرين عاماً، ولم تفلح في تحقيق سيطرتها واستعبادها لها، بل خرجت طريدةً مهزومة! فهل أخذت درساً من ذلك؟ وهل راجعت نفسها لئلا تمثّل استعماراً جديداً موهوماً بعدما قُضي على الاستعمار الانجليزي والفرنسي وغيرهما في أنحاء متفرقة من العالم؟ أبداً.. فقد ذهبت تتخذ كل ذريعة لبسط نفوذها على العالم العربي والإسلامي؛ فاتخذت ذريعة أحداث 11 سبتمبر لاحتلال أفغانستان.. ثم اتخذت ذريعة حصول العراق على الأسلحة الكيماوية وادّعاء امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل بعد حرب الخليج عام 1991 ليعلنها (بوش الابن) صراحةً حرباً صليبية، فيستولي على العراق ويعدم رئيسها ويقيم نظاماً موالياً له حارساً على مصالحه الاستعمارية فيها.. وما أشبه الليلة بالبارحة! فنفس الذرائع الزائفة وأشباهها من مثل القضاء على الإرهاب وإقامة الديمقراطية في البلاد تتخذها أمريكا وأحلافها اليوم لإعادة السيطرة الاستعمارية على العراق بل سورية، وتساندها مع الأسف أنظمة عربية لتمدها بالوقود والنقود بل الرجال إضافةً إلى المال! وليمتد قتال الإرهابيين ـ كما يدّعون ـ لسنوات تكون السيطرة فيها على المنطقة لهذا الاستعمار الصليبي الصهيوني الجديد، ويكون التمويل على حساب بترول العرب وقتل العرب بعضهم ببعض.. فهل يصحون؟؟
ـــــــــــــــ الاستقلال 790