قامت السيدة الدكتورة بثينة كشك مديرة إدارة التربية والتعليم بالجيزة فى يوم 6 أبريل الحالى بفرز الكتب المودعة فى مكتبة واحدة من المدارس الإعدادية التى كانت تتبع جماعة الإخوان المسلمين، واكتشفت عددا منها لا تتضمنها «قائمة الكتب المسموح باقتنائها فى المكتبات المدرسية» فضلا عن أن مضمون بعض هذه الكتب يحرض على العنف بل ويتجرأ على ثوابتنا الدينية؛ وشاهدنا السيدة الدكتورة تتوسط جمعا من السادة التربويين مشعلة النار بتلك الكتب الخطيرة بينما يرفع الجميع الأعلام المصرية وتتعالى الأناشيد الوطنية، موحية بالصوت واللحن والصورة أننا حيال حدث جلل؛ واندفع الكثيرون ينقبون عن دوافع السيدة الدكتورة بثينة كشك: أهو نفاق للسلطة؟ أم غيرة حقيقية على تنشئة أبنائنا؟ أم أنه تجسيد صادق خلاق لضرورة التصدى للإرهاب وتجفيف منابعه الفكرية.
حين تم الترويج لهذا المشهد إعلاميا رأيت فيه أمرا لم أكن أحلم بإمكانية حدوثه فى المستقبل القريب على الأقل: أن تتفق المنابر الإعلامية المعبرة عن فكر الإخوان المسلمين و مختلف الجماعات الإسلامية وتلك المعبرة عن الليبراليين و اليساريين بمختلف ألوانهم على إدانة ما حدث: البعض وجد فيما جرى فرصة لإثبات أننا نمضى إلى اجتثاث الدين الإسلامى والعياذ بالله، وفريق انزعج أيما انزعاج من واقعة «الحريق» باعتبار أن إحراق الكتب بصرف النظر عن مضمونها ردة يمينية فاشية لا ينبغى الاستكانة لها؛ ووسط ذلك الضجيج ظلت صانعة المشهد مصرة على صواب موقفها بل أن عددا من زملائها أعلن تضامنه معها.
حين أمعنت النظر فيما جرى و حاولت تخطى إحساسى بالاشمئزاز من المنظر، رحت أفكر فى أن لفعل الإعدام ـ للكتب أو للبشر ـ شروطا ينبغى توافرها لكى يصبح إعداما حقيقيا، وعلى رأس تلك الشروط أن يقع الإعدام بحق كائن حى قادر على التأثير فى محيطه سواء كان كتابا أو بشرا، وبالتالى فإن الجدل حول أسلوب الإعدام سواء كان بالحرق أو التمزيق أو حتى بالإلقاء فى جب عميق يجعلنا نسلم دون أن ندرى بأننا حيال إعدام كائن حى و أن الخلاف يدور حول «أسلوب الإعدام» دون أن يهتم أحد بإثبات حياة هذا الكائن قبل إعدامه.
إن من ارتفعت أصواتهم بإدانة تصرف الدكتورة بثينة كشك؛ قد انزلقوا وحاولوا جذبنا معهم إلى توهم أن لدينا حقا مكتبات مدرسية فاعلة، وأن أبناءنا التلاميذ يتهافتون عليها لقراءة الكتب وربما استعارتها، وأن جدول الحصص المدرسية يسمح لهم بذلك؛ فضلا عن توهم أنهم يتأثرون بما يقرءون.
ولعلى لا أتجاوز إذا ما قلت إن ذلك كله ليس سوى محض أوهام، وإننا جميعا نشارك فى مسرحية ليس على خشبتها سوى ديكورات؛ بل ان «الكتاب المدرسى المقرر» يكاد يتحول بالفعل إلى مجرد ديكور.
إن غالبية أبنائنا ممن يذهبون إلى المدارس إنما يذهبون لاستيفاء نسبة الحضور وللاتفاق على الدروس الخصوصية، ثم يلهثون إلى حيث مراكز التعليم الخاصة حاملين «الكتب الخارجية» التى تيسر لهم اجتياز الامتحانات مولين ظهورهم للمدرسة بما فيها من ديكورات تشمل المكتبة فضلا عن تلك الكتب المدرسية المقررة التى نتوهم أنها بصورتها الراهنة هى المصدر الرئيسى لما نعلمه لأبنائنا، ولذلك نرى جهودا حثيثة لتنقيتها أيضا من شوائب وشبهات التطرف.
ولعلى لا أضيف جديدا إذا ما سقت مثالا ملفتا: الكتب المدرسية المقررة تحتوى ضمن ما تحتويه على معلومات تتعلق بالتكاثر عند الكائنات الحية وما تتضمنه تلك المعلومات من إشارات إلى وظائف الأعضاء التناسلية عند الذكر والأنثي، ولقد حاولت التنقيب ما وسعنى الجهد للعثور على هذا الموضوع ضمن امتحانات الطلاب فأعيانى البحث؛ وأتصور أن إخواننا المدرسين وأخواتنا المدرسات قد اتفقوا مع أبنائنا التلاميذ اتفاقا صامتا على إسقاط هذا البند من المقررات الواجبة الاستذكار للامتحان؛ فأصبحنا حيال نص بقى رسمه ونسخ حكمه كما يقول الفقهاء.
إنها سلسلة متتالية من الأوهام الكاذبة تضافرت لايجاد واقعة السيدة الدكتورة بثينة كشك وما أثارته من ضجيج، وكم كنت أود أن يتفضل أحد الزملاء التربويين بعرض إحصائية تبين مدى إقبال الطلاب على المكتبات المدرسية، وحجم الوقت المتاح لهؤلاء الطلاب لذلك إذا ما رغبوا، وإذا كان هناك بالفعل من يترددون على تلك المكتبات فما هى نوعيات الكتب المفضلة لديهم.
إن الإجابة الموضوعية على تلك التساؤلات هى السبيل الوحيد لإثبات أن جريمة الإعدام التى نحن بصددها قد وقعت ـ بصرف النظر عن أسلوبها ـ على كائن حى، وإلا وجب تعديل توصيف الجريمة لتصبح نوعا من انتهاك جثث الموتى مثلا؛ أو أن نكون بصدد فيلم عنوانه «إعدام ميت».
ترى أليس الأولى بنا أن نحول الطاقة المستنزفة فى تلك المعركة الوهمية إلى جهد حقيقى يطور المكتبات المدرسية ويرسخ لدى أبنائنا حقيقة علمية دينية تاريخية راسخة مؤداها أن الأفكار مهما كان انحرافها لا تقاوم إلا بالأفكار، وأنه لا جدوى من حوار مع من تتطابق أفكارنا مع أفكارهم، وأنه حتى رسائل السماء لم تنتشر إلا من خلال حوار بدأ مع من ينكرونها ممن هم الأشد كفرا بل مع من وصل به الكفر إلى حد قوله «أنا ربكم الأعلى».
عن الاهرام