بلغ عدد المشاركين في إحدى «تظاهرة» التنديد بالعدوان الإسرائيلي الهمجي والغاشم على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة عشرين ألفاً وهي تظاهرة التاسع عشر من تموز (يوليو) الماضي التي هي إحدى سلسلة تظاهرات شهدتها العاصمة البريطانية ،لندن، وهذا مقابل وقفة تأييد ومساندة مقابل السفارة الإسرائيلية لا يتجاوز عدد اليهود الذين شاركوا فيها ومعهم قلة قليلة من أنصارهم المائة شخصاً كانوا يرفعون «لافتات» تندد بما يسمونه الإرهاب!! الذي يهدد دولة إسرائيل!!.
ولعلَّ ما يمكن لمْسه وبكل وضوح ،وهذا يحدث وعلى هذا النحو ربما للمرة الأولى على مدى تاريخ الصراع العربي والفلسطيني مع إسرائيل، هو أنَّ هناك تحولاً غربياً شعبياً ،وبدرجة أقل حكومياً ورسمياً، ضد إسرائيل إعترف به وزير الخارجية البريطاني الجديد فيليب هاموند وعكسته أيضاً تصريحات العديد من المسؤولين الأوروبيين وبعض المسؤولين الأميركيين ولكن بدرجة أقل وضوحاً وأقل صراحة.
إنَّ هذا التحول في الرأي العام الغربي عموماً يدلُّ على أنَّ العالم قد «قرف» إسرائيل وأنَّه ملَّ مناوراتها وألاعيبها وأصبح لا يستطيع الصمت ،كما في السابق، لا على إحتلالها للأراضي الفلسطينية ،الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا إعتداءاتها الهمجية على الشعب الفلسطيني وحقيقة أنَّ هذا يتطلب موقفاً جاداً وتطويره إلى إداء عربي وفلسطيني غير هذا الإداء الهزيل «المناسباتي» ويتطلب وحدة فلسطينية في إطار منظمة التحرير ،التي بات يعترف بها العالم بغالبية دوله، تنهي هذا التشرذم البائس والمخزي الذي عنوانه إدخال هذه القضية المقدسة في ألاعيب المحاور العربية والإقليمية المتصارعة على النفوذ وعلى «الأدوار» السياسية في هذه المنطقة التي تشهد تمزقاً غير مسبوق حتى في زمن الحرب الباردة وصراع المعسكرات.
لا يجوز إطلاقاً أن تبقى «حماس» تزاحم منظمة التحرير الفلسطينية ،التي تم الإعتراف بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني في قمة الرباط الشهيرة في عام 1974، على تمثيل هذا الشعب ولا يجوز أنْ تذهب لحرب مدمرة هرست قطاع غزة هرساً بدون علم الرئيس محمود عباس (أبو مازن) وبدون إستشارته وخدمةً لتوجُّهات وسياسات المحور العربي والإقليمي المصرِّ على إسقاط الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي وإعادة الرئيس «الإخواني» السابق محمد مرسي إلى موقعه الذي أُجبر على مغادرته إستجابة لرغبة نحو ثلاثين مليون مصري لم يستطيعوا تحمل تصرفات الإخوان المسلمين خلال الفترة القصيرة التي حكموا فيها بعد إنتظار إستطال لأكثر من ثمانين عاماً شهدت تحولات مصرية وعربية كثيرة.
إن هناك تحولاً في الرأي العام العالمي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتجاه القضية الفلسطينية بالفعل وهنا ومن موقع الحرص والنقد البناء فإنه لابد من القول ،حتى وإن كان هذا يغضب المجاهدين «الأشاوس» عن بعد، إنه ثبت أن تجربة الصواريخ كانت فاشلة فشلاً ذريعاً وإنها ومعها لعبة طائرات «درونز» الإيرانية الأفشل منها قد إتخذها الإسرائيليون ذريعة للإدعاء بأنَّ إسرائيل باتت مهددة بالزوال وأن مدنها وقراها غدت معرضة للدمار وكل هذا ومع أنَّ هذه الصواريخ وأن هذه الطائرات لم تهدم ولا منزلاً واحداً وأنها لم تتسبب إلاَّ في قتل إسرائيلييْن أحدهما مات رعباً بالسكتة القلبية.
إنه لا يجوز أنْ تذهب كل هذه التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة هدراً أو أنْ تتقزم المطالب المفترضة إلى مجرد إجراءات تجميلية تقتصر على فتح معبر رفح وبعض المعابر الأخرى فالمطلوب الآن هو التركيز على عمق القضية الفلسطينية وإقناع العالم بأنه لا يمكن وضع حدٍّ نهائي لكل هذا العنف المتفجر المتجدد إلاَّ بإذعان الإسرائيليين لحقائق التاريخ وللإرادة الدولية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة والإنصياع لمطلب الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحلِّ القضايا العالقة الأخرى وأهمها قضية اللاجئين.
إنَّ هذا هو المطلوب وأمَّا أنْ تواصل حركة «حماس» اللعب على حبال التمحورات والتكتلات العربية والإقليمية وأن تستمر بالسعي لأن تكون بديلاً لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية وأن تكتفي بعد كل هذه المجازر وبعد كل هذا الدمار والخراب ببعض «الإنتصارات»!! الشكلية لتقول أنها هي «المقاومة» وأنها هي المنتصرة في هذه الحرب فإن هذا يعني أنَّ غزة ستنتظر حروباً جديدة.. وأنَّ النتيجة إن على المدى القريب أو على المدى البعيد هو تحويل «القطاع» إلى دويلة «إخوانية» تكون بديلاً لدولة فلسطين المستقلة المنشودة.. والله أعلم!!.
عن الرأي الاردنية