الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

"حربُ القوّةِ الناعمةِ: المعركةُ التي لا تُرى"

"حربُ القوّةِ الناعمةِ: المعركةُ التي لا تُرى"

تاريخ النشر: 2025-04-22 | 16:45

قد تكونُ الحربُ اليومَ بلا جيوشٍ تزحفُ، ولا دباباتٍ تجتاحُ، ولا طائراتٍ تقصفُ، لكنّها في أقسى تجلّياتِها: أهدأُ، وأخطرُ. إنّها "حربُ القوّةِ الناعمةِ"، تلك التي تتحرّكُ كنسمةٍ، وتتركُ أثراً كالإعصارِ. القوّةُ التي لا تُرعبُكَ، بل تُغريكَ؛ لا تُجبرُكَ، بل تُقنعُكَ؛ لا تأتيكَ بالسوطِ، بل بالوردةِ.

في هذا السياقِ، تحوّلتِ الاستراتيجيّةُ الأميركيّةُ منذ تسعينيّاتِ القرنِ الماضي، وتحديدًا منذ أن قدّمَ جوزيفُ ناي "Joseph Nye" مفهومَ "القوّةِ الناعمةِ" عامَ 1990، من نمطِ التدخّلِ العسكريِّ إلى استراتيجيّةٍ أكثرَ دهاءً: التأثيرُ من الداخلِ. لم يعدِ المطلوبُ أن تُغيّرَ نظاماً بالقوّةِ، بل أن تُغيّرَ المجتمعَ نفسَه ليُطالبَ هو بالتغييرِ. يُرادُ للناسِ أن يعتنقوا ما تُريدهُ أمريكا دون أن تُشعرَهم بأنّها فرضتْه عليهم.

لكن، ما هي هذه القوّةُ الناعمةُ التي صارتْ كلمةَ السرِّ في السياسةِ الدوليّةِ؟ ناي، الذي شغلَ مناصبَ رفيعةً في حكومةِ كلينتون وأسسَ مفاهيمَ أثّرتْ في عهدِ أوباما، قدّمَها كقدرةٍ على "جعلِ الآخرينَ يريدونَ ما تُريدُ"، عبر أدواتٍ غيرِ عسكريّةٍ: الثقافةٍ، التعليمِ، الإعلامِ، الاقتصادِ، القيمِ، وحتّى الطعامِ والسينما.

بمعنى أوضحَ: أن تُحبّكَ الشعوبُ، فتتبعَكَ.

ولعلّ الشرقَ الأوسطَ هو المسرحُ الأبرزُ لتفعيلِ هذه الأدواتِ، إذ أخذتْ الولاياتُ المتحدةُ، منذ 2004، تسعى لعزلِ حزبِ اللهِ مثلاً عن بيئتِهِ الاجتماعيّةِ من خلالِ نزعِ شرعيّتِهِ ثقافيّاً وسرديّاً، لا فقط عبرَ محاصرتِهِ عسكريّاً. فتهميشُ الأفكارِ والإيديولوجيا باتَ أكثرَ فاعليّةً من استهدافِ الجغرافيا.

إنّ القوّةَ الناعمةَ لا تُغيّرُ السلوكَ مباشرةً، بل تُغيّرُ "البيئةَ التي يُتّخذُ فيها السلوكُ". فهي تشتغلُ تحت جلدِ المجتمعِ، من خلالِ إعادةِ تشكيلِ بنيتِهِ المعرفيّةِ، وهويتِهِ الثقافيّةِ، ونظامِ قيمِهِ. الاستطلاعاتُ، نتائجُ الانتخاباتِ، المسوحاتُ النفسيّةُ، كلّها أصبحتْ أدواتٍ لقياسِ نجاحِها، ولو أنّ قياسَها – كما يقولُ ناي – يبقى صعباً، لأنّ تأثيرَها غيرُ ملموسٍ، ويعتمدُ على تصوّراتِ الآخرينَ.

القوّةُ الناعمةُ، إذاً، ليستْ كافيةً وحدَها. لكنّها ضروريّةٌ. فكما أنّ اللذّةَ الناعمةَ لا تُفكُّ عن الجسدِ، كذلك لا تُفكُّ عُرى المجتمعاتِ من ثقافتِها بسهولةٍ. هي معركةُ نفسٍ طويلةُ الأمدِ، وناجحةٌ فقط عندما تُبنى على مشتركٍ ثقافيٍّ بين الفاعلِ والمُستهدَفِ.

هذا ما تفعلهُ الصينُ منذ 2007، حين أعلنتْ رسميّاً في عهدِ هو جين تاو Hu Jintao، تعزيزَ الثقافةِ كجزءٍ من استراتيجيّتِها الناعمةِ، مستخدمةً الاقتصادَ كذراعٍ ممدودٍ. وهكذا فعلتْ روسيا، لكنْ متأخّرةً، كما اعترفَ وزير خارجيتها لافروف عام 2013، قائلاً: "بدأنا بالسيطرةِ على أدواتِ القوّةِ الناعمةِ متأخّرينَ جدّاً".

وفي خضمِّ هذا السباقِ العالميِّ، لا بدّ من الإشارةِ إلى أنّ المسلمينَ والعرب في الغربِ يحملونَ على عاتقِهم مسؤوليّةً مضاعفةً: فهم الوجهُ الناعمُ للإسلامِ في مجتمعاتِهم، وسلوكُهم الحضاريُّ يُعزّزُ مكانةَ دينِهم أكثرَ من أيِّ خطابٍ. القوّةُ الناعمةُ هنا ليستْ خياراً، بل ضرورةً وجوديّةً.

وإذا كانتِ القوّةُ الذكيّةُ هي المزجَ بين الصلابةِ والنعومةِ، فإنّ من لا يمتلكُ الأولى، عليه أن يُتقنَ الثانيةَ. ومن لا يفهمْ أنّ الأغنيةَ قد تُسقِطُ حاكماً، وأنّ الفكرةَ قد تُفجّرُ ثورةً، فإنّه يعيشُ في عالمٍ لم يَعُدْ موجوداً.

في النهايةِ، حربُ القوّةِ الناعمةِ ليستْ حرباً نائمةً. هي صاخبةٌ بلا ضجيجٍ. جذّابةٌ بلا إكراهٍ. وحين تكونُ أدواتُها الفنَّ، والدراما، والتعليمَ، والدبلوماسيّةَ، فإنّ انتصاراتِها لا تُقاسُ بعددِ القتلى، بل بعددِ العقولِ التي تمّ تغييرُها، ولو كانتْ تظنُّ أنّها اختارتْ ذلك بإرادتِها.

فمن يُفكُّ عنّا هذا الغرامَ الناعمَ؟ وأيُّ أصابعَ تُمسكُ بذاك الخيطِ الذي يشدُّكَ إلى حيثُ لا تدري؟

اللهمّ اشهدْ أنّي بلّغتُ

×
أخبار
شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة بغزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط