تاريخ النشر: 2017-05-02 | 19:23
تاريخ النشر: 2017-05-02 | 19:23
(1) الاحتلال الإسرائيلي
يعيش قطاع غزة منذ خمسين عاماً تحت وطأة احتلالٍ إسرائيلي دمّر بنيته التحتية ولم يسمح فيه بأي نشاط اقتصادي ذو مغزى، وترك أهله لنحو عقدين من الزمن يعيشون على العمل في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948 أو السفر إلى الخليج العربي للعمل في مهنة التدريس، وحتى عندما أنشئت السلطة الفلسطينية عام 1994 بقي الحال على ما هو باستثناء أن السفر للعمل في الخليج العربي توقف، لاعتبارات لها علاقة بالتشغيل الذي أتاحته السلطة للمؤهلين وبسبب تردي علاقة منظمة التحرير الفلسطينية ببلدان الخليج العربي بعد أزمة العام 1990، وعندما انسحبت إسرائيل من مستوطناتها في غزة عام 2005 بقيت تسيطر على المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، فهي تمنع تحرك الفلسطينيين في مياه البحر المتوسط المحاذية للقطاع، بما في ذلك قوارب الصيد، وتسيطر على أجواء القطاع، وتسيطر على المعابر التجارية ومعابر الأفراد على الحدود بينها وبين غزة، ويبقى المنفذ الوحيد المتاح أمام الفلسطينيين في غزة للتنقل عبر العالم هو معبر رفح البري، الذي سُمح بإعادة افتتاحه بعد انسحاب إسرائيل من مستوطناتها في غزة، وذلك بوجود الطرفين الفلسطيني والمصري على جانبي المعبر، وتواجد أوروبي على شكل مراقبين داخل صالات المعبر، وكاميرا مراقبة تتيح للجانب الإسرائيلي مراقبة حركة المرور عبر المعبر، وفي أعقاب سيطرة حركة حماس على غزة، انسحب الأوروبيون من المعبر، وتوقفت كاميرا المراقبة الإسرائيلية، ولم تعترف مصر بالسلطة المتواجدة على الجانب الفلسطيني في المعبر وبالتالي توقفت الحركة، إلا في حالات نادرة، عبر المعبر، لتنشأ حركة مرور وتجارة رائجة من الأنفاق التي تربط قطاع غزة بجمهورية مصر العربية، وبعد التغييرات السياسية التي جررت في مصر، بدأت السلطات المصرية بإغلاق الأنفاق، وفي مقابل ذلك شرعت بفتح المعبر جزئياً أمام حركة المسافرين الفلسطينيين.
(2) الحصار الإسرائيلي
يعاني قطاع غزة كذلك من ظروفٍ اقتصادية واجتماعية تسبب بها الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ ما يزيد عن عشرة أعوام، وتحديداً منذ إقدام الفصائل الفلسطينية على أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في منتصف العام 2006، ومنذ ذلك الحين تعاني قطاعات عدة في الحياة الغزية من ظروفٍ بائسة للغاية، أبرزها النقص في إمدادات المياه والكهرباء، والتراجع الحاد في قدرة البنية التحتية الهشة على القيام بوظائفها في ظل الزيادة المهولة في عدد السكان من جهة، وشح الامكانيات من جهة أخرى، ناهيك على معطيات مرعبة تتعلق بجودة الحياة ومستوى المعيشة وحالة الفقر التي أصابت ما يزيد عن 70% من سكان القطاع، الذين يعتمدون بشكل أساسي على الرواتب التي تدفعها سلطتي غزة ورام الله، بجانب موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين وبعض المنظمات الدولية، إضافة إلى قطاع تجاري بالكاد يتدبر أمره في ظل تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، كل هذا يفاقم أزمة موجودة بالأساس في قطاعي التعليم والصحة والإسكان، وزاد الطين بلة الدمار واسع النطاق الذي تسببت به حروب إسرائيلية ثلاث على غزة في أعوام 2008 و2012 و2014، تركت خلفها آلاف المنازل المدمرة والمصانع التي تحطمت معداتها وآلاتها، وانهيار كامل في البنية التحتية.
(3) الانقسام الفلسطيني
فاقم الانقسام السياسي الذي حصل في منتصف العام 2007 من معاناة الغزيين، وباتوا يعيشون ظروف الفعل ورد الفعل، وانشغل الساسة في تحميل بعضهم المسؤولية عما جرى، وبدأت "لعبة الأمم" في الدخول على الخط بقوة، وانحاز كل طرف من طرفي المعادلة الفلسطينية إلى محورٍ اقليمي ودولي، يؤمن له أسباب الحياة والاستمرار، فبعد فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي مطلع العام 2006، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام برنامجين متصادمين أحدهما يمثله الرئيس "المنتخب" والآخر تمثله الأغلبية البرلمانية "المنتخبة"، وتجلت صور الانقسام في وجود حكومتين في رام الله وغزة، ومجلس تشريعي معطل، وانفراد من طرف مؤسسة الرئاسة بالقرار الفلسطيني، وانقسام الشارع الفلسطيني بين مؤيدٍ لهذا الفريق أو ذاك، ومع انشغال العالم بقضاياه وهمومه، وانشغال العرب بثورات ما يعرف باسم "الربيع العربي"، وجد الفلسطينيون أنفسهم مكشوفين أمام غول الاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع في القدس ومأساوية ظروف العيش في المخيمات، سواء داخل الوطن أو في الشتات، مع ظهور نعرات جغرافية ومناطقية بدأت تلقي بظلالها على المشهد القاتم أساساً، ليبدأ فصلُ جديدُ في معاناة الفلسطينيين لم تُكتب صفحاته الأخيرة بعد.
جرت محاولات عدة لإنهاء الانقسام الفلسطيني، حتى قبل وقوعه بالفعل، فقد انحاز الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي لوحدة وطنهم، فوقعوا وثيقة سياسية للوفاق الوطني في العام 2006، رحبت بها كل الأطراف، ثم سرعان ما طوتها ذاكرة النسيان، ثم عادت الفصائل وذهبت إلى مكة المكرمة، ووقعت في فبراير 2007 على اتفاق مصالحة قيل بأنه تاريخي، وتشكلت في ضوئه حكومة وحدة وطنية حظيت بإجماع وطني حينها، ثم وقع الانقسام، لتبدأ مسيرة طويلة من محاولات الصلح في صنعاء والخرطوم وأديس أبابا وتونس والرباط وأنقرة والقاهرة والدوحة ثم القاهرة مجدداً ثم مخيم الشاطئ ثم الدوحة مجدداً، أسفرت في مجموعها عن تشكيل حكومة وفاق وطني في العام 2014، اصطدمت هي الأخرى بالأمر الواقع الذي فرضته ظروف الانقسام، لتجد أمامها وفي اليوم الأول عقبة "الموظف القديم" و"الموظف الجديد"، وتبدأ مناكفات أبقت على ما هو قائم، على الرغم من أن الجميع يتحدث عن حكومة واحدة هي حكومة الوفاق الوطني.
(4) حكومة الوفاق الوطني
درجت حكومات "رام الله" منذ يوم الانقسام الأول، على تحمل مسؤولياتها تجاه قطاع غزة، والحق يُقال أنها التزمت على مدى عشرة أعوام بتسديد فواتير الكهرباء عن الغزيين لصالح الجانب الإسرائيلي في الخط المعروف باسم "خط 120"، وتشغيل مصلحة المياه وتأمين معداتها ولوازمها، وتسديد فاتورة رواتب قرابة السبعين ألف موظف التزموا "بشرعيتها" منذ وقوع الانقسام، إضافة إلى تأمين رواتب العاملين في سلكي الصحة والتعليم، وتوفير احتياجات هذين القطاعين الحيويين، ووفرت تكلفة العلاج في الخارج للحالات الطبية المستعصية في قطاع غزة، وساهمت في تزويد الأسر المحتاجة بحزم مساعدات إنسانية ومعاشات شهرية، إضافة إلى تكفلها برواتب أسر الشهداء والجرحى والأسرى طيلة هذه السنوات، والحق يقال كذلك أنه لولا هذا التدخل لكانت الأحوال في قطاع غزة أسوأ بعشرة أضعاف ما هو قائم بالفعل، وللموضوعية فإن حكومات رام الله درجت على استلام أموال المقاصة الخاصة بضرائب بضائع قطاع غزة على مدى سنوات الانقسام، وتجبي ضرائب من التجار الغزيين الذي تربطهم بها مصالح اقتصادية، ناهيك عن أنها تستلم المساعدات النقدية من الدول المانحة باسم الفلسطينيين جميعاً في الضفة والقطاع، ومن المؤكد أن حوالي 40% من ميزانية السلطة الفلسطينية كان يتم انفاقها على قطاع غزة في الأعوام السابقة، وسواء نقصت هذه النسبة قليلاً أو زادت، فإن هذا المعطى يُبنى عليه كثيراً في محاولات قراءة المشهد القادم في ظل التطورات الأخيرة.
(5) القرارات الحاسمة
أعلن الرئيس الفلسطيني، بتأييد من لجنة فتح المركزية، في أعقاب إعلان حركة حماس عن تكليف "لجنة إدارية" لإدارة الأعمال الحكومية في قطاع غزة، في ظل ما وصفته بتنكر حكومة الوفاق لمسؤولياتها تجاه غزة، عن سلسلة من الخطوات والقرارات الحاسمة لاستعادة الوحدة الفلسطينية، واستعادة وجودها في قطاع غزة، وعكف الخبراء والساسة على فحص خياراتهم تجاه هذه المسألة والبحث عن أنسب السبل للتعامل مع المعطيات الموجودة على الأرض، وسبق ذلك كله حديث عن دعوة رئاسية أو فتحاوية لحركة حماس من أجل الاستجابة لمجموعة شروط تنهي الانقسام الوطني، وبعدها انتقل السجال إلى ساحات الإعلام، ليبدأ مسلسل الردح المتبادل كما هي العادة منذ عشرة أعوام وأكثر، وهكذا فهم الرأي العام الفلسطيني أن الدخول في حوار طرشان سيفضي إلى عدم الاتفاق على شيء، وهذا ما هو قائم الآن بالفعل.
يتبين للقارئ والمراقب والمحلل أن ما وضعته حركة فتح أمام حركة حماس على الطاولة هو أمر يشبه إلى حدٍ كبير فكرة الحزمة (package) بمنطق مفاده أنه يتوجب عليك أن تحملها كلها أو تتركها كلها، (take it or leave it)، ولما كانت حركة حماس ممنوعة أيديولوجياً وفكرياً وسياسياً من أن ترفع الراية البيضاء، على اعتبار أنها تمثل نموذجاً لحكم الإسلام السياسي، وربما كانت هذه آخر قلاعه في غزة، ولما كانت فتح بحكم ضغوط الواقع المحلي والعربي والاقليمي والدولي ممنوعة من أن تُذعن لشروط الشراكة مع حماس، فإن الصفقة المقترحة لن ترى النور قطعياً، بالمنطق الذي سمعنا به في الأيام الأخيرة، وهذا يفتح الباب واسعاً أمام معطيات وخيارات أخرى ستكون متاحة أمام صانع القرار في غزة في الأيام القادمة.
بدأت سلسلة اجراءات السلطة تجاه غزة بخصومات على رواتب موظفيها، وبنسب بلغ حدها الأدنى 30% ووصل البعض منها إلى 50%، علماً بأن هؤلاء الموظفين لا يحصلون على ترقياتهم وعلاواتهم الدورية وعلاوات الإشراف وبدل المواصلات أساساً، وبالتالي فإن الخصومات طالت العلاوات الثابتة وليس العلاوات المتحركة، علماً بأن هذه العلاوات أصلاً تبقى مع بلوغ الموظف سن التقاعد، فالإجراء عقابي أكثر منه تقنيني أو تقشفي، وثاني هذه القرارات يتعلق بعدم نية السلطة تسديد فاتورة كهرباء قطاع غزة لدى الجانب الإسرائيلي، وعدم رفع ضريبة البلو عن الوقود اللازم لتشغيل محطة كهرباء غزة، وبالتالي فإن حصول المواطن الغزي على 6 ساعات وصل للتيار الكهربائي ستصبح حلماً صعب المنال، وبطبيعة الحال فإن أزمة الكهرباء ستؤثر حتماً على قطاعات المياه والصرف الصحي والزراعة ناهيك عن تأثيرها على حياة المواطنين وفئة الطلبة والمصانع الصغيرة والمؤسسات الخدمية وغيرها، وثالث هذه القرارات يتعلق بالتقاعد المبكر الذي صادق عليه الرئيس الفلسطيني مؤخراً والذي سيستهدف عشرات آلاف الموظفين في قطاع غزة، بشكلٍ سيفاقم من معاناة هؤلاء المقترضين من البنوك المحلية على قاعدة حصولهم على راتبٍ كامل، فكيف سيكون الحال عندما يجري احتساب نسبة الخصم في معاش التقاعد، فهل سيكفي ما يتبقى من الراتب بعد سداد القسط الشهري للبنوك احتياجات أُسر هؤلاء الموظفين؟، ورابع هذه القرارات يتعلق بوقف دفع قيمة العلاج في الخارج لسكان غزة، باستثناء حالات السرطان، ولا أحد يدري ما هي باقي القرارات التي جرى التخطيط لها في الآونة الأخيرة في أروقة القرار في رام الله، والتي ستترك بالتأكيد أثرها في حياة الغزيين جميعاً.
(6) خيارات حركة حماس
تواجه حركة حماس تحديات كبيرة في المرحلة القادمة، بين يدي استحقاق إعلان وثيقتها السياسية الجديدة، وانتخاب مكتبها السياسي ورئاسته، لتصطدم القيادة الجديدة بمتطلبات التعامل مع الظروف التي ستنشأ مع دخول القرارات المتعلقة بغزة من جهة الحكومة الفلسطينية حيّز التنفيذ، وبالتالي، فإن أمام حركة حماس جملة من الخيارات يمكن تناولها على النحو الآتي:
أولاً: بقاء الوضع الراهن
الوضع الراهن لا يُحتمل، ومن المستبعد إمكانية استمراره في ظل المعطيات الجديدة، فالعالم في زمن ترامب لا يريد أن يرى الإسلام السياسي في سدة الحكم، والإقليم كله تقريباً معادي لمشروع الإسلام السياسي، وحتى دول تحالفت مع حركة حماس في السنوات السابقة لن تجد أن بمقدورها تأمين المساعدة اللازمة في هذه المرحلة، والمقصود هنا تركيا وإيران وقطر، فالوضع الراهن كارثي بالنسبة لأهل القطاع، فالبطالة في أعلى مستوياتها والفقر في أعلى مستوياته ومعدلات الجريمة في ارتفاع ومعدلات تعاطي المخدرات والانحرافات السلوكية عي كذلك في ارتفاع، والحركة على المعابر محدودة والبنية التحتية متهالكة والظروف المعيشية مأساوية بالنسبة للسكان، ولن تستطيع حركة حماس، بإمكاناتها المحدودة أن تدير الوضع الراهن طويلاً، حتى لو اضطرت لاستخدام العصا الغليظة، فالجوع والحرمان والفقر والبطالة هو أبو الشرور كلها، وهذا الوضع الراهن مع هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني، يجلع غزة عرضة للمخاطر من كل الجوانب، ولن يستمر طويلاً.
ثانياً: الإذعان لمطالب الرئيس عباس
هذا الاذعان من طرف حركة حماس لمطالب الرئيس عباس صحيح أنه سيسمح بانتعاش اقتصادي في غزة، وسيتيح عودة تدريجية للحياة الطبيعية في غزة، لكنه سيعني فشلاً ذريعاً لمشروع الإسلام السياسي بعد عشرة أعوام من الحكم، وهو لا يتعلق فقط بانتهاء حكم حركة حماس لغزة، بقدر ما إنه سيعني أنها لن تحكم بعد ذلك، لا بديمقراطية ولا بغيرها، على اعتبار أن العالم كله تقريباً لا يريد سلاحاً فلسطينياً في قطاع غزة، والتنازل للرئيس عباس هنا لا يعني فقط ترك المؤسسات الحكومية، لكنه يعني مع مرور الوقت تسليم السلاح، وهنا تكون حركة حماس أقرب إلى من يضع رقبته على المقصلة في انتظار أن يأتي أيٌ من خصومها لقطعها، وهو أمر ليس مستبعداً فحسب، وإنما مستحيلاً.
ثالثاً: التصعيد الميداني
جرت العادة أن تقوم الفصائل الفلسطينية في وقت الأزمات بتصدير أزماتها إلى الخارج، وحدث هذا في أكثر من محطة وأكثر من مكان، وبالتالي قد يبدو خيار التصعيد الميداني مطروحاً، على قاعدة أن الاحتلال الإسرائيلي هو السبب المباشر والرئيسي في كل أزمات الواقع الفلسطيني الذي يفتقد للأمن والحرية والاستقلال، وبالتالي فمجابهته مشروعة في كل المراحل، كما ان عدواناً إسرائيلياً جديداً على غزة سيجلب معه التعاطف الإنساني، العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وسيعيد التفكير في واقع قطاع غزة المأساوي، والنظر، دولياً في إطار جديد لحل أزماته المتفاقمة، ليس من أجل مصلحة الغزيين فحسب، وإنما للحفاظ على أمن إسرائيل بعيد المدى، وبالتأكيد من زاوية تختلف جوهرياً عن الزاوية التي نظر منها مشروع روبرت سيري لآلية إعادة إعمار غزة، لكن يبقى لهذا الاحتمال مخاطره، التي تتعلق بتأييد دولي وعربي واسع النطاق للعدوان الإسرائيلي، وبالتالي توقع استمرار العدوان حتى الاجهاز على قدرة الفصائل على الرد، وربما في سيناريو أصعب أن يصل الأمر حد إعادة احتلال قطاع غزة، ومن ثم تسليمه لجهة دولية للإشراف على حياة السكان فيه بعد دمارٍ غير مسبوق وانهيار لكل مقومات العيش فيه، وقد يجد الفلسطينيون أنفسهم في مخيمات لجوء جديدة في صحراء سيناء هذه المرة هروباً من الموت والدمار الذي سيعم كل شيء.
رابعاً: التفاوض مع إسرائيل
كان هذا الاحتمال بعيد المنال في السنوات السابقة، ولكنه بات مطروحاً اليوم، ولو بطريقة مختلفة عن تلك التي لجأت إليها حركة فتح في مطلع التسعينات من القرن الماضي، فالوسطاء كُثر، وستجد حركة حماس عشرات الأطراف الدولية والاقليمية المتأهبة للعب هذا الدور، على قاعدة عدم الاعتراف بين الطرفين، وعلى قاعدة الوضع الراهن، مع اشتراطات أمنية ملزمة لكليهما، مقابل تسهيلات تتعلق بحياة الغزيين، وامكانية افتتاح ميناء ومطار لغزة، ولو في عرض البحر، والسماح بعودة العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل، مقابل توقف الفصائل الفلسطينية عن استكمال منظومتها الدفاعية، وإغلاق الأنفاق المؤدية للداخل الفلسطيني، والتوقف عن الأعمال العدائية بين الطرفين، والسماح بإدخال كل المواد اللازمة لإعمار غزة، وفتح الأسواق أمام منتجات قطاع غزة، وقد يصل الأمر بإسرائيل أن تفصل مقاصة غزة عن مقاصة الضفة الغربية وتقدمها عبر الوسطاء لحركة حماس كي تتمكن من الانفاق على الأعمال الحكومية في غزة، وبالتالي سيكون من مألات هذا الخيار الانفصال التام بين غزة والضفة، وذهاب المشروع الوطني الفلسطيني في مهب الريح.
خامساً: الجبهة الوطنية العريضة
يبدو هذا الخيار هو الأنسب في هذه المرحلة، إن أرادت حركة حماس الخروج من عنق الزجاجة، فبناء الجبهة الوطنية ليس بالأمر العسير، حيث بإمكان حماس بعد إعلان وثيقتها السياسية أن تذهب بها إلى القاهرة، وتطلب مساندة مصرية، وهذا يعني دخول العربية السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة على الخط مباشرة، ثم وبالالتزام ببعض شروط العلاقة مع مصر، يمكنها أن تجد لنفسها مخرجاً من كل الضغوط، خصوصاً وأن العلاقات المصرية الأميركية في أوجّها هذه الأيام، والمياه عادت إلى مجاريها بين مصر والسعودية، ودور مصر المحوري في المنطقة معروف للجميع، وقد تتمكن حركة حماس بالتعاون بينها وبين أطراف فلسطينية أخرى أن تبني جبهة وطنية في مواجهة الرئيس عباس، تضم إلى جانب الجهاد الإسلامي وبعض الفصائل الناشئة حديثاً في غزة، وبعض القوى اليسارية التي لا تتوافق مع الخط السياسي للرئيس عباس، وإلى جانب ذلك كله التعاون مع الخصم اللدود للرئيس عباس والمقصود هنا النائب محمد دحلان الذي يقود تياراً قوياً ناشئاً في صفوف حركة فتح، ويحظى بمكانة عربية ودولية غير خافية على أحد، وبالتالي تذهب باتجاه إدارة قطاع غزة عبر هذه الجبهة الوطنية وبرعاية مصرية وعربية وقبول ربما دولي وحتى إسرائيلي، وساعتها سيكون صانع القرار في رام الله هو الذي سيجد نفسه في مأزق، بعد أن خسر شعبيته في غزة بفعل قراراته التي وُجهت مباشرة للتضييق على أهل غزة، وفقدان هيبة السلطة بفعل الممارسات اليومية للاحتلال في الضفة الغربية دون أي رد فلسطيني باستثناء الترديد اليومي لعبارة أن التنسيق الأمني مقدس وسيبقى مقدساً في المستقبل.
لن يجد صانع القرار في حركة حماس سوى هذه الخيارات في نهاية المطاف ليبني عليها موقفاً، وينبغي عليه وهو يقرر بشأن خطوته القادمة أن يتذكر أن مصير وحياة ومستقبل مليوني إنسان يعيشون في قطاع غزة رهين بقراره، وهي مسؤولية بالتأكيد لا يتمناها أحد، وكان الله في عون الجميع.
باحث في الشؤون الفلسطينية