تاريخ النشر: 2020-08-26 | 16:46
تاريخ النشر: 2020-08-26 | 16:46
مع مرور أكثر من نصف قرن على جريمة إحراق المسجد الأقصى المبارك، تحاول إسرائيل عبثاً تجميل صورتها المهترئة والنأي بنفسها عن واحدة من أسوأ جرائمها العنصرية في التاريخ المعاصر، متسلحة بماكينة إعادة إنتاج الرواية الصهيونية التي ترتكز على أن الإرهابي الصهيوني مايكل روهان الأسترالي الجنسية الذي أضرم النار، هو مجرد شخص مسيحي مختل عقليًّا، وأنه ما كان ليقدم على فعلته تلك إلا بتواطؤ من حارس المسجد، وإمعاناً في الرواية العبثية، فقد تم إيداع الاسترالي المجنون مصحة نفسية حتى عام 1974عندما ضغطت عائلته من أجل استرداده فتم إعادته إلى بلاده، حيث توفي فيها عام 1995.
يبدو تهافت الرواية الإسرائيلية واضحاً للغاية، فهي تذكر أنه بعد ساعة واحدة فقط من إخماد الحريق صباح يوم 21 آب (أغسطس) عام 1969؛ وصلت رئيسة الوزراء الصهيونية جولدا مائير إلى مكان الحادثة و"رأسها محني، وثقل حزن على وجهها"، وصرَّحت وهي خارجة من المسجد "أن الحريق المتعمد لن يؤثر في العلاقات بين اليهود والعرب"، لكن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الحريق استمر مدة خمس ساعات متواصلة، بسبب قيام قوات الاحتلال بقطع المياه عن كامل المنطقة المحيطة بالمسجد، وعرقلة وصول سيارات الإطفاء أطول فترة ممكنة كي يستمر الحريق فيه لعله يأتي عليه بالكامل، ولهذا تطلب ترميم المسجد المبارك عقودًا، ومما يدعم نظرية المؤمرة، أو بعبارة أخرى التواطؤ الصهيوني مع الجاني، اعتباره مجنوناً لا يعي ما يفعل من قبل المحكمة الاسرائيلية، ثم الحفاظ عليه لاحقاً عبر وضعه في مصحة نفسية مدة خمس سنوات، وبالأخير إعادته إلى بلاده التي عاش فيها بعد عودته نحو عشرين عاماً.
الأخطر من ذلك، هو ضعف ردود الأفعال العربية والإسلامية المتوقعة رداً على الجريمة النكراء، الأمر الذي اهتبله الإسرائيليون واعتبروه عنصراً كبيراً للأمان عند تنفيذ اعتداءات لاحقة على المسجد الأقصى المبارك، حتى أن جولدا مائير عبرت بشكل مؤسف عن حالة الضعف العربية والإسلامية في مواجهة هذا الحدث الجلل قائلة: "عندما حرق الأقصى لم أنم تلك الليلة، واعتقدت أن إسرائيل ستسحق. لكن، عندما حل الصباح، أدركت أن العرب في سبات عميق".
قدمت حالة التشرذم العربي، في الماضي والحاضر، دعماً متواصلاً لسلطة الاحتلال في الاستمرار بسياسة حرق الأرض والتوسع في عمليات الاستيطان وانتهاك حرمة المقدسات، التي من المفترض أن تبقى خطاً أحمر لا ينبغي تجاوزه، وقد أسست الجريمة الشنعاء للسياسات الصهيونية التي دأبت على استهداف المقدسات الإسلامية بشكل منتظم، بينما لا تزال المنظمات اليهودية المتطرفة تخطط لتدمير المسجد المعتبر قبلة المسلمين الأولى، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.
رغم مرور أكثر من خمسة عقود على حريق المسجد الأقصى، الذي أتى وقتها على ثلث مساحة الأقصى الإجمالية، باحتراق ما يزيد عن 1500 متر مربع من المساحة الأصلية البالغة 4400 متر مربع، إلا أن رائحة الدخان لا تزال تنبعث من أروقته ومصلياته وباحاته، بفعل تدنيسه يومياً من قبل الصهاينة المتطرفين بهدف تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، حيث سهل تحكم قوات الاحتلال في مداخل المسجد ومخارجه في زيادة وتيرة اقتحامات المستوطنين اليهود، مقابل التضييق على المصلين المقدسيين والقادمين من الضفة الغربية.