رغم أن إعادة انتشار قوات الاحتلال من قطاع غزة عام 2005 تؤكد من حقيقة بقائه خاضعًا رسميًا وقانونيًا للاحتلال الإسرائيلي وبمثابة سجن كبير تتحكم سلطات الاحتلال فيه عبر المعابر التي تتحكم فيها، إلا أن الحصار الذي فرضه الاحتلال بعد عام وتطورت شدته تباعًا خلال سبع مراحل شكَّلَ واحدًا من الحلقات التآمرية الصعبة التي واجهها الشعب الفلسطيني خلال العقود الماضية بما تركه من آثار جسيمة على حياة قرابة مليوني فلسطيني يعيشون في هذا القطاع.
المرحلة الأولى: تشكيل حكومة حماس وفرض الحصار
وبدأت المرحلة الأولى بفرض الحصار الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، والحكومة التي شكلتها حركة حماس، وحصلت على ثقة المجلس التشريعي، بتاريخ 28 مارس/ آذار2006، بعدما رفضت تلبية شروط الاحتلال الإسرائيلي واللجنة الرباعية الدولية وهي: الاعتراف بالكيان الإسرائيلي، ونبذ العنف، ونزع سلاح المقاومة، والاعتراف بالاتفاقات الموقعة بين السلطة والاحتلال.
واشتدت وتيرة الحصار في هذه الفترة بعد عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط بتاريخ 25/6/2006، حيث أغلقت سلطات الاحتلال المعابر وشنت هجومًا واسعًا على غزة استهدف البنية التحتية وبعض المقرات الحكومية، فضلًا عن شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف حماس ونوابها بالضفة الغربية.
وفي هذه الفترة واجهت الحكومة صعوبات كبيرة في توفير رواتب الموظفين. ولم يغير تشكيل حكومة وحدة وطنية في شهر شباط 2007 من واقع الحصار كثيرًا، حيث بقيت الأزمات تتلاحق حتى وصلت الأمور إلى اقتتالٍ بين حماس وفتح انتهى بانفراد حماس بالسيطرة على غزة في يونيو/ حزيران 2007، لتبدأ مرحلة جديدة من الحصار.
المرحلة الثانية: الانقسام الفلسطيني في يونيو/ حزيران 2007
دخل الحصار في هذه الفترة مرحلة جديدة، حيث أُغلقت المعابر، بما فيها معبر رفح، وكذلك رفضت غالبية الدول الاعتراف بشرعية حكومة حماس التي أعلنت بديلا عن حكومة الوحدة، إثر استقالة أعضاء حركة فتح منها، في المقابل حظيت الحكومة التي شَكّلها سلام فياض في الضفة بالاعتراف الدولي، وبذلك رفع الحصار والقيود عن تدفق الأموال إلى الضفة، وشدد على قطاع غزة الذي شهد أزمات خانقة، منها: إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمعابر كافة، ومنع دخول الوقود؛ الأمر الذي دفع الفلسطينيين لاجتياز الحدود المصرية والتزود بالبضائع من هناك، وأسهم ذلك في إحداث بعض الحراك من أجل فتح جزئي لمعبر رفح.
وخلال هذه الفترة بدأت محاولة المتضامنين العرب والأجانب كسر الحصار عبر السفن والقوارب البحرية، وتمكنت سفينتا الحرية وغزة الحرة من الوصول إلى شواطئ غزة في 23 من أغسطس/ آب 2008، فيما عُد أول كسر بحري للحصار الإسرائيلي على قطاع غزة. واستمرت الأمور من تأزم لآخر، وبقي الموقف الدولي والعربي يتراوح بين المطالبة الخجولة بكسر الحصار إلى الصمت، حتى وقع العدوان الإسرائيلي على غزة في 27 ديسمبر/ كانون أول 2008 الذي استمر 18 يومًا، تعالت خلاله وبعده الأصوات المنادية برفع الحصار.
وفي هذه الفترة عُقدت قمة دعت لها قطر في الدوحة وشاركت فيها بعض الدول العربية وغابت عنها السلطة الفلسطينية ما أعطى مؤشرات على موقفها السلبي من وضع غزة التي شهدت تدميرًا واسعًا في البنية التحتية والمنازل السكنية، حيث شرد الآلاف، دون توفر سبل لإعادة الإعمار بسبب الحصار.
المرحلة الثالثة : بعد أسطول الحرية
دفعت الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان غزة، نشطاء ومتضامنين دوليين – جزءٌ كبيرٌ منهم من الأتراك – إلى تسيير سفن تضامنية أطلق عليها اسم أسطول الحرية، وهي عبارة عن مجموعة من ست سفن، تضم ثلاث سفن تركية، وسفينتين من بريطانيا، بالإضافة إلى سفينة مشتركة بين كل من اليونان وأيرلندا والجزائر والكويت، تحمل على متنها موادَّ إغاثة ومساعدات إنسانية، بالإضافة إلى نحو 750 ناشطًا حقوقيًا وسياسيًا، بينهم صحفيون يمثلون وسائل إعلام دولية.
انطلق الأسطول باتجاه قطاع غزة في 29 مايو 2010، محملاً بعشرة آلاف طن من التجهيزات والمساعدات. وهاجمت قوات الاحتلال الإسرائيلي الخاصة نشطاء سلام على متن القوارب التابعة لأسطول الحرية، واقتحمت قوات خاصة تابعة للبحرية الإسرائيلية كبرى سفن القافلة “مافي مرمرة” التي تحمل 581 متضامنًا من حركة غزة الحرة – معظمهم من الأتراك – داخل المياه الدولية، وكان حصيلة الهجوم مقتل تسعة من أعضاء القافلة وتوفي العاشر لاحقًا.
سلط هذا الحادث الضوء على حصار غزة، حيث شهدت هذه الفترة ظهور العديد من المواقف المطالبة بفك الحصار؛ ما دفع حكومة الاحتلال لاحقًا لإدخال تسهيلات جزئية على الحصار وحركة المعابر دون أن تنهي المعاناة بالكامل. ومما أسهم في تخفيف الأوضاع في غزة خلال هذه الفترة زيادة الاعتماد على الأنفاق أسفل الحدود الفلسطينية المصرية في تزويد غزة بالبضائع التي تمنعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وبقيت الأمور على هذه الحال بين شد وجذب حتى اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011.
المرحلة الرابعة:: بعد ثورة 25 يناير المصرية
في أعقاب ثورة 25 يناير المصرية، وتنحي الرئيس محمد حسني مبارك، وبعد توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية في 27/4/2011، أعلنت مصر في 25/5/2011 عن فتح معبر رفح بصفة دائمة اعتبارًا من 28/5/2011، غير أن المعبر لم يفتح بشكل منتظم. ولكن الأمور تغيرت عن الفترة السابقة، كما شهدت هذه الفترة زيادة في أعداد الأنفاق والاعتماد عليها.
وفي أعقاب فوز الرئيس المصري محمد مرسي في الانتخابات عام 2012، جرت تسهيلات جديدة على حركة المرور عبر المعبر، لكن دون فتحه بشكل كامل.
غير أن هذه المرحلة شهدت تسهيلات كبيرة أمام حركة حماس وحكومتها بغزة، وجرى استقبال قادتها في القصر الجمهوري بشكل رسمي لأول مرة، كما أتيح لها القيام بجولات خارجية أسهمت في تخفيف آثار الحصار على غزة، مع الإشارة إلى أن الاعتراف الرسمي بقي بحكومة السلطة الفلسطينية بالضفة الغربية.
وسرعان ما عادت الأمور لتسوء من جديد، عقب الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، في يوليو 2013، حيث اتخذ النظام المصري الجديد موقفًا عدائيًا من حركة حماس واتهمها بالتدخل في الشأن المصري الداخلي.
المرحلة الخامسة: بعد الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي
منذ بدء تظاهرات 30 يونيو 2013، المطالبة بإسقاط الرئيس المصري محمد مرسي، شهد معبر رفح تضييقًا في العمل، ومن ثم جرى إغلاقه في أعقاب الإطاحة به في 3 يوليو 2013، وأخذت العلاقة مع حماس في التدهور حيث اتهمها النظام الجديد بالتورط في الشأن الداخلي المصري، وجرى إغلاق المعبر فترة طويلة، قبل أن يجري فتحه بين الحين والآخر لدواعٍ إنسانية. واتسمت هذه المرحلة بتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في قطاع غزة مع اشتداد وتيرة الحصار، وتقلص أوجه الدعم الذي كانت تتلقاه حكومة غزة بما في ذلك تراجع حاد في أعداد القوافل التضامنية التي تحمل مساعدات متعددة.
المرحلة السادسة: تشكيل حكومة التوافق الوطني
أعطى تنحي حكومة حماس لصالح حكومة التوافق الوطني في يونيو 2014، التي شكلت بناءً على إعلان الشاطئ الذي أعاد وضع خطوات تنفيذية لتحقيق المصالحة بين حركتي حماس وفتح؛ بارقة أمل بتحسن أوضاع غزة، ونهاية لحالة الحصار ولكن هذا الأمل تبدد؛ فخلال شهر شنت قوات الاحتلال عدوانًا واسعًا استمر 51 يومًا وأسفر عن أكثر من 2216 شهيدا وآلاف الجرحى وأكثر من 32 ألف منزل مدمر، لتبدأ مأساة المطالبة بالإعمار، ومعها بروز الخلافات في تنفيذ المصالحة في ظل غياب واضح للإرادة السياسية لدى رئاسة السلطة لحل أزمات القطاع لتستمر المعاناة ويتضاءل الأمل بحلها.