على خلاف الحربين السابقين على قطاع غزة ( 2008 ، 2012 ) اتسم العدوان الهمجي الإسرائيلي هذه المرة بالجنون وتجاوز كل الخطوط الحمراء المتعارف عليها دوليا إبان الحروب ، حيث اتخذ هذا العدوان ( الطوفان ) أشكالا متعددة تصب جميعها في إشاعة التدمير والتخريب الشامل لكل ما يتعلق بالإنسان والشجر والحجر وتحويل قطاع غزة إلى ارض محروقة تنعدم فيها كل مقومات الحياة الخاصة ببني البشر وفي أفضل الأحوال العودة بسكان القطاع عشرات السنين إلى الوراء .... في هذا السياق يمكن إبراز أهم أشكال العدوان البربري التي مارسها قادة الجيش الإسرائيلي وبتعليمات من المستوى السياسي لحكومة اليمين الديني العنصري المتطرف بزعامة نتنياهو ، ليبرمان ، بينيت ولبيد تجاه قطاع غزة
أولا : التهجير الإجباري تحت ضغط القصف المدفعي الأعمى ، بجانب وسائل الحرب النفسية ، لكل سكان المناطق الشرقية من قطاع غزة وتوجيههم نحو مراكز المدن وهو الأمر الذي أدى إلى تهجير ما يقارب أل 700 ألف مواطن من منازلهم و ما انعكس على ذلك من خلق أزمات متعددة و متشابكة وانعدام كل وسائل الحياة الكريمة وتراكم الآلاف ممن البشر داخل مدارس أل UN وما ترتب على ذلك من تفشي شتى أنواع الأمراض ومشاكل أخرى .
ثانيا : على الرغم من توجيه قادة الاحتلال المواطنين نحو مدارس أل UN إلا أن هذه المدارس التي تتمتع بالحصانة الدولية تعرضت للقصف الهمجي وهو الأمر الذي أدى إلى سقوط العشرات من المواطنين شهداء بالإضافة إلى مئات الجرحى .. حدث هذا في أكثر من مدرسة وفي أكثر من منطقة في القطاع وهذا يدلل تمام على مدى همجية وغطرسة العدوان وعدم اكتراثه بالمنظمات والمرجعيات الدولية حيث كان الهدف فقط هو إشاعة الموت في كل مكان سعيا إلى فرض وقائع تؤشر على الركوع والاستسلام وكسر إرادة شعبنا البطل .
ثالثا : تمثل الجنون والهمجية للعدوان الإسرائيلي وبشكل غير مسبوق في التاريخ – تدمير مدينة ستا ليننجراد في الحرب العالمية الثانية على يد النازية – في التدمير الشامل لأكثر من 50 ألف منزل بشكل كامل هذا بالإضافة إلى تدمير عشرات الآلاف من المنازل بشكل جزئي وتحويل اسر هذه المنازل – الذين افلتوا من الموت تحت الركام – إلى لاجئين جدد يهيمون في الشوارع حيث لا أماكن للإيواء سوى أرصفة الشوارع .... همجية لا مثيل لها تحدث والعالم المتحضر الذي يدعي احترامه لحقوق الإنسان لا يحرك ساكنا أمام هذه الجرائم الإسرائيلية بل كان يردد : " أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها " ؟! .... هذا التدمير الهائل للمنازل على ما يبدو كان الهدف من ورائه تجسيد وقائع تتحدث عن ركام هائل يتجاوز مليونان طن وهو الأمر الذي يفترض بضعة سنين لإزالته قبل الحديث عن بدء الاعمار هذا بالإضافة إلى أن هذا الدمار الهائل للمنازل أدى إلى اختفاء معالم أكثر من مدينة عن وجه الأرض والمثال الواضح هنا : حي الشجاعية وبلدة خزاعة ومنطقة القرارة والزنة حيث يصعب على المرء أثناء تجواله في هذه الأماكن تحديد المعالم الحقيقية لهذه البلدات .... واضح تماما أن قادة العدو يستهدفون من وراء هذه الظاهرة إشغالنا بهذه المهام الحياتية المستحدثة بعيدا عن التفكير بالبعد السياسي للقضية الوطنية العادلة .
رابعا : لجوء العدوان الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من الحرب إلى تدمير عدد من الأبراج السكنية ذات الطوابق المتعددة والتي تضم عددا كبيرا من الأسر في قلب مدينة غزة وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار جملة من الأبراج الشاهقة وما ترتب على ذلك من تشريد مئات العائلات بجانب تراكم ركام هذه الأبراج وسط مفترقات وطرق المدينة والهدف هو ممارسة المزيد من الضغوطات لدفع المقاومة الفلسطينية للاستجابة للشروط الإسرائيلية وكذا محاولة رفع شعبية نتنياهو المتدهورة في أوساط الرأي العام الإسرائيلي .
خامسا : كل من شاهد المناطق الشرقية من قطاع غزة من بيت حانون شمالا الى رفح جنوبا يلاحظ قيام الجرافات والآليات الثقيلة للجيش الإسرائيلي بحفر خط متواصل من الخنادق العميقة ذات الساتر الترابي المرتفع والذي أدى إلى تغيير معالم الأرض وتجريف واقتلاع كل ما عليها من الأشجار وبخاصة أشجار الزيتون وتحويل الأرض إلى مناطق جرداء خالية من أي أشجار .... إن إعادة تسوية الأرض والتخلص من هذه الخنادق والتحصينات الرملية الهائلة يتطلب أولا وجود آليات كبيرة ، ناهيك عن الوقت اللازم للعودة بالأمور إلى ما كانت عليه .
سادسا : ليس هناك أدنى شك عند أي مراقب تابع قوائم الأعداد الهائلة من الشهداء والجرحى إبان العدوان لان يصل إلى استنتاج بأن معظم شهداء هذا العدوان هم من المدنيين العزل وبالتحديد من النساء والأطفال وهذا حدث بطريقة مقصودة ومتعمدة والهدف هو تدمير الجبهة الداخلية وإحداث انشراخ بين المقاومة والحاضنة الشعبية لها .
على أية حال يمكن القول إن إعادة اعمار قطاع غزة تقع بالدرجة الأولى على عاتق قادة إسرائيل الذين مارسوا هذا العدوان البربري والذين يجب أن لا يفلتوا من العقاب جراء هذه الجرائم الهائلة التي ارتكبت بحق الآلاف من الأبرياء المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ ورجال الإسعاف الذين يقومون بخدمات إنسانية ويحملون إشارات توفر لهم الحصانة الإنسانية وهنا ثمة استفهامات : لمذا لا تقع مسؤولية إعادة اعمار غزة على عاتق من قام بإشاعة الدمار والتخريب والتدمير الشامل لكل مرافق الحياة في غزة ؟؟وهل يحق لحكومة نتنياهو أن تمارس هذا التدمير المتكرر لقطاع غزة وان لا تتعرض لاي مساءلة دولية عن هذه الممارسات الإجرامية ؟؟ وكيف نفسر قيام دولة ألمانيا الاتحادية بدفع التعويضات منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم لدولة إسرائيل جراء جرائم ارتكبها الحكم الهتلري النازي بحق اليهود آنئذ ؟ والى متى تبقى العدالة الدولية تكيل بأكثر من مكيال أثناء معالجتها للازمات والمخالفات الدولية ؟؟