تاريخ النشر: 2017-06-24 | 15:21
تاريخ النشر: 2017-06-24 | 15:21
إستمرت السيارة في سيرها تجاه الشمال و ما أن بدأت تقترب من مدينة المجدل الا بدأوا وبذهولٍ يتحدثون عن البيارات التي كان يمتلكها اهل المجدل مثل بيارة ابو شرخ و قصر ابو شرخ و هم يحدثون و يتفحصون كل الأشجار القديمة و الباقية شامخة و لن تعترف بالهجرة طوال العشرون عام كان جميع من فى السيارة يتخيل بأن تلك الأشجار مُشرعة اذرعها لاحتضان كل واحد منا ، وما أن وصلنا إلى المفترق الذي يؤدي إلي مدينة المجدل الا وانهالت الدموع والجهش بالبكاء والكل منا يتحدث عن المكان ويذكر بعضاً من ذكرياته ورحلاته عبر هذا المفرق أثناء نشاطاتهم الحياتية.
بعد حوالي خمسة دقائق من هذا المكان إلا وبهم في وسط مدينة المجدل وهي كما هي ، بيوتاً ، وشوارعاً ، ومساجداً ، وأسواقاً ، ومحالا ،ً وشعارات ، وبدأ والدك يحدثنا بشكل كبير ومتسارع عن المجدل وبالتفصيل، عن مبانيها وشوارعها وعائلاتها ونشاطهم الصناعي في صناعة النسيج والنول ، وأخذ يسرد علينا كيف كانت تتم صناعة النول ، وكيف قام أهالى المجدل بنقل هذه المهنة والأدوات التى كانوا يستخدمونها فى صناعة الأقمشة قاموا بنقلها معهم أثناء هجرتهم الي غزة وتحديداً إلى معسكر الشاطئ والذين مارسوا صناعة الاثواب الفلاحي وبعض الأنواع المختلفة من الأقمشة ٠
طيب يا والدتي كيف كان والدي بيّعَرِف بكل هالمعلومات عن مدينة المجدل ، يا بنيّ خالة والدك من عندنا من قرية حمامة وقد زوجها والدها لأحد عائلات المجدل وهي من العائلات الكبيرة والغنية فكانت تصطحبه معها الي المجدل خاصة بعدما أن توفيت والدته فكان يمضى كثيراً من الوقت مع اولاد خالته فى المجدل وكان يساهم معهم ويساعدهم في أعمال النول ثم أنه بعد أن أنهى الدراسة في قريتنا و هي حد الصف الرابع ، ذهب لإكمال الدراسة هناك فإنهى متطلبات الدراسة و كانت حتى الصف السادس و بعدها كان يمكن له أن يكمل الدراسة في مصر أو في القدس أو في بيروت ، الا أن وفاة والدته ومن بعدها والده ، جعلت منه ضحية اليُتم بفقدانه والديه ٠
مررنا في داخل المجدل و كان والدك قد حدثنا عنها بكامل تفاصيلها ، ولم يكن هناك أيّ تغيير على المبانى فى المدينة إلا البيوت التي هجرها أهلها قامت بعض الأسر اليهودية يتقاسمها والسكن فيها دون تغيراتٍ تُذكر ، لم تكن الحياة صاخبة فى المجدل بل هادئة وحركة السير غير كثيفة وكذلك الأسواق ، وكأن المدينة تنتظر ولا زالت فى حالة إنتظار عودة أهلها الأصليين ، ثم و بناء على توصيات والدك اتجه السائق بنا عبر الطريق الترابي و الضيق الذي يؤدي إلى قرية حمامة التي لا تبعد عن المجدل اكثر من كيلو متر واحد ، و ايضا جميعنا تحدثنا عن ذكرياتنا مع هذا الطريق الذي كنا نعبره كل صباح و اكثر من مرة في اليوم للذهاب إلى المجدل لنبيع منتوجاتنا الزراعية في أسواقها ، و من ثم كنا نشتري الملابس و مستلزمات الحياة الأخرى و المتوفرة في المجدل ، تحدثنا كثيرا عن صعوبة قطع هذا الطريق في ايام الشتاء حيث كنا نستخدم الحمير و البغال و الجمال أحياناً للتنقل و نقل منتجاتنا من خلاله .
و ما أن اقتربنا من القرية إلا بوالدي يصرخ هذه بلدنا الله اكبر ما هو متغير فيها شيء هذا الشجر و هذه البيارات و هذا البئر و هذه السكة الحديدية و هاي السدرة و هاي التوتة و هاي الجميزة و هاي الدوالي و هاي العنب الاسود المتسلق على شجرة التوت ، يا ربي شو كبران الشجرو شو مهمل ما حدا بيعتني به ، ثم طلب من السائق ايقاف السيارة فورا ، فتوقف ، ففتح الباب ثم قفز من السيارة وهو يصرخ والدموع تنهمر من عيناه والعرق يتصبب من جبينه ومن كل أنحاء جسمه ، ويحتضن تلك الشجرة وتلك وتلك ويقبلها وهو يقول بصوت مرتفع يا حبيبتي يا بلدتنا يا روحي يا ارضي و يا شجري ، ثم ألقى بنفسه على الارض و اخذ يقبلها و يشتم رائحتها و سجد لله سجدة مطوله جداً وما انفك بكاؤه الا أن حضر والدك و خالك ساعدوني في تهدئته و رفعهِ عن الأرض ، و هو يسألني ويقول والألم يعتصر قلبه آه آه آه يا ثريا ، آه يا بنتي ، شو مقهور انا ، أُنظرى مش متغير حاجة حتى الفراخ و الديوك و الحمام هيهم حولينا وكأنهم فى إستقبالنا ، بس بدي اسالك عن شجرة التوت الضخمة هذه لم تكن حتى يوم الهجرة موجودة فى هذا المكان ، من وين اجت ؟ و مين الي زرعها هنا ؟ ، فعلى الفور تذكرت و قلت له : هذه الشجرة يا والدي اذا بتتذكر يوم ما هاجرنا و كان بايدي غصن أخضر من شجرة التوت ، و قلت لي ارمي هالعود بدنا نلملم بعض أغراضنا بدنا نرحل إلى قرية الخصاص، القرية التى يسكنها أخوالك قبل أن يصل اليهود إلى قريتنا ويقوموا بذبحنا وبعد يوم أو يومين بنعود للبلد وبتكون الأمور قد هدأت ، فقلتُ لك انا بدي ازرع هالغصن قبل ما نذهب إلى الخصاص ، فغرسته في هذا المكان بالضبط ، ثم بعد ذلك تركنا كل شئ و رحلنا و ها نحن نعود يا والدي إلى حمامة بعد عشرين سنة فاصبح الغصن شجرة ضخمة كما ترىٰ .
جلستُ أنا و والدي نعيد كل ذكرياتنا الحياتية و الزراعية والإجتماعية وكلما تذكرنا شيئاً يُعتصر قلبينا حسرةً وألماً .. أثناء ذلك غادَرنا والدك و خالك و السائق وذهبوا الى وسط القرية لتفقد مباني القرية و اراضيها و مدرستها الوحيدة و مقبرتها و الوادي الذي يشطرها قسمين ، فأخذ منهم الإجهاد و التعب ما اخد ، فجلسوا الى جوار احد القبور و معظمها قد خُرِب و كُسِرَت شَواهِدها ، واذا بوالدك وكما حدثنا يجد شاهد قبر والده ، وقد كان مصنوعاً من حجارة من مدينة الخليل ( الرخام ) وكان قد كُتِبَ عليه عبارة ( هذا ضريح الحاج حسن محمد أبو صفية ) ، كما وَجَدَ شاهداً آخراً لضريح احد ابناء عمومته من فرع عائلة شامية ( حمولة الشوام ) و مكتوباً عليه اسمه و كان مصنوع من نفس نوعية حجر شاهد قبر والده ايضا ، فمسح عنهما الغبار والتراب و ثبتهما على القبرين ثم قرأوا الفاتحة على أرواح كل الاموات ثم انصرفوا عبر المزارع و الكروم و الأشجار المختلفة و المهملة و التي لم تتغير باي عوامل بشرية باستثناء عوامل الزمن بعد أن غزتها الأعشاب والأشواك .
وصلوا إلى حيث كنا نجلس في أراضينا في منطقة الحريرية و بجوار سكة الحديد و بعض غرفٍ كنا قد بنيناها من طوب الطين عندما كنا نأتي من القرية للزراعة و الحصيدة وجمع الفواكه والخضروات تمهيداً لبيعها ٠
جلسنا جميعا تناولنا طعام الغذاء ثم قام خالك يقطع بعضاً من عناقيد العنب الاسود الذي يتدلى من على شجرة التوت ، فإذا ببعض الصبايا البدويات ممن بقوا في فلسطين كُن يرعين الاغنام في المنطقة ، قالت هذا العنب لليهود و نحن نواطير لحراسته ، انتفض والدي و قال لها مين صاحبه ، أنا صاحب كل هذه الارض و هي ملك لى وهذه الكواشين و شهادات الطابو ابعتي لي اليهودي اللى بيدعي أن هذه الأرض ملكه ، وايش بدو مصاري باعطيه ثمنها بس أنا مش طالع من هان أبداً .
و لان برنامج رحلتنا كان يشمل زيارة مناطق أخرى في فلسطين ثم التوجه إلى الضفة الغربية لزيارة المدن فيها ، بدأنا بتجميع اشياءنا و نضعها في شنطة السيارة ، و قف جميعنا ينفض الرمال والغبار عن ملابسه الا والدي ، فرفض رفضاً قاطعاً المغادرة أو النهوض ، و ألقى بعباءته و فردها على الارض ، و قال بصوت تقطعه الحسرة و الألم ، انا مش مرَوّح من هان انا بدي أظل هان و بدي أموت هان وأندفن في ارضي هان ، وأغربوا عن وجهي وروحوا وين ما انتم عايزين ، و الله ما بياخذني من هان الا الموت .
ركبنا جميعا السيارة بإستثناء والدي و فشلت كل المحاولات لإقناعه بركوب السيارة .
وقام السائق بتشغيلها وأبقاها واقفةً فى مكانها فى محاولة لإقناع جدك بأننا ستغادر ، إلا أن والدي لم يكترث لذلك وبقيَّ مصمماً على البقاء فى أرضه وقريته حمامة ٠
وفجأة وردت لخالك فكرةً قد يتمكن بها من إقناع جدك لإكمال المسير والسفر معنا فترجل من السيارة ، وسار بإتجاه جدك ٠٠٠
ماشي يا والدتي ... انا حاسس انك تعبتِ من طول الحديث و تاثرتي كثير فدعينا نكمل في لقاء اخر ...
ماشي يا ابو حازم توكل على الله صحيح أنا تأثرت لاني شاهدت طفولتي وصباي و حياتي و ذكرياتي التي تركتها في قريتنا حمامة و نعود لها اليوم بعد عشرون عاما كزائرين وكاننا غادرناها بالأمس القريب .
تصبحين على خير يا ست الكل .
بالمناسبة يا والدتى فى إشارات وأخبار تؤكد بأن أول أيام عيد الفطر المبارك سيكون يوم الأحد القادم ... فاسمحي لى أن أهنئك وكل الزملاء والزميلات والأهل والأحباب ومتابعى الحكايات ، وزوجُنا المصون والأبناء وزوجاتهم والبنات وأزواجهن والأحفاد جميعاً، والأمتين العربية والإسلامية وشعبنا الفلسطيني فى كل مناحي الشتات أُهنئكُم جميعاً بعيد الفطر المبارك ٠٠٠
فكل عام وأنتم جميعاٌ بألف خير وسعادة وهناء ومحبة وسرور وسلام وسكينة من الله تعالى ، أعاده الله على الجميع وقد تحققت أمال الشعب الفلسطيني بالحرية والإستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .. وأن يكون الإنقسام قد إنتهى وتحققت المصالحة وجُمِعَ الشمل الفلسطيني ، اللهم آمين يارب العالمين ..
وإلى لقاءٍ في الحلقةِ القادمةِ .