لعبة الافعوانية السياسية التي ادخلت الشعب الفلسطيني في دوامة التشكيلات والتعديلات الحكومية لاكثر من خمس عشرة حكومة خلال عقدين ، ليس لديها ما تحكمه بحكم انها محكومة بمعادلات قاسية داخليا وخارجيا ليجيئ التعديل الحكومي الاخير على حكومة الحمدالله فاقدا لأسس اتفاق الشاطئ الذي جاءت على خلفيته حكومة الوفاق.
ولا شك بأن الموقف غير الفاعل لقيادات الفصائل المستوزرة منها وغير المستوزرة ، في قرار التعديل من عدمه ، ترك الامال معلقة على تجمع الشخصيات المستقلة للحفاظ على توافقات الحد الادنى، والتي كان من اهم معالمها انتهاء حالة الازدواجية الحكومة وانهاء حكومة حماس رسميا في القطاع ، كمؤشر على عودة الحكومة المركزية الفلسطينية.
وعندما يرفض المستقلون حكومة تكنوقراط معظمها من المستقلين ، وهو الموقف الذي يجب ان تتوقف عنده الفصائل ،خاصة وان التعديل يتم في غياب مطلق للمؤسسة التشريعية ، مما يصنع سياقا استبداديا ، لا تمانعه بعض القيادات التي تعتاش على هامش هذا الانقسام والاستبداد، وغير معنية بالتأسيس لنظام سياسي ديمقراطي .
الا ان المختلف في الحراك الحكومي الحاد على الساحة الفلسطينية ، انه كانت تدفعه في المرحلة السابقة ضغوطات المانحين والسياسات الاقليمية لفرض مناهج وسياسات محددة على السلطة نجحت غالبا ، تلا ذلك انفصام حكومي في الضفة وغزة استفادت منه العديد من القوى والفصائل والشرائح الغائبة تاريخيا عن النضال الوطني سعت ولا تزال الى استدامة حالة الانقسام للابقاء على ما قسم الله من (سبوبة رزق) لم تكن متوقعة ، وتتفاعل مع الحراك بأهواء المصالح الضيقة والشخصية غالبا .
فقد شهدنا أسماءا لم تكن معروفة في محيطها الاجتماعي بأي دور يتجاوز وظيفتها الاكاديمية ، او انشغالها بزيادة ثروتها كمستوردين ساهموا في تدمير المنتج الوطني، او شخصيات على هامش العمل الوطني ممن يلعقون احذية المراحل، ولم ينس صناع هذه الحكومات تزيينها بأسماء قليلة ممن يمتلكون بعض الثقة الشعبية بمقاصدهم الوطنية
ولعله لا يختلف اثنين على حجم المخاطر المحيطة بالمشروع الوطني الفلسطيني استراتيجيا، وتصاعد العدوان الاحتلالي على شعبنا وارضنا ، الا ان انشغال القيادات المتنفذة في التنظيمات والساحة بمجملها وغرقها في صناعة فوضى خلاقة خاصة بها ، لاغراض ديمومة المكاسب والتكسب من السلطة ، على حساب الالتفات للهم الوطني وقيادة حالة نضالية تواجه الاحتلال لتحرير الارض كما يشيعون في شعاراتهم
لقد تراجع الشعار الكفاحي الذي حملته هذه الفصائل نتيجة استباق اولويات قيادات غير كفؤة للأولويات الوطنية ، وكرست الموارد المادية والمالية والاعلامية والانشطة السياسية لتعزيز مكانة القائد اولا وبطانته ثانيا والتنظيم ثالثا في مواجهة التنظيمات الاخرى وليس في ساحة النضال ضد الاحتلال .
وهذا ما يعيدنا لفهم ظاهرة التجمعات المستقلة التي تمتلك جاذبية شعبية كبيرة بعد ان قرفت الجماهير من تنازع الفصائل وفساد مضامينها ، الذي أدى الى تحييد قطاع كبير من المناضلين والمثقفين واقصائهم عن الفعل السياسي بمؤامرات صغيرة لم تنجب سوى صغارا، ولم ينتج عنها سوى تقزيم دور الفصائل كميا وكيفيا.
وأمام مأزق التغيير التاريخي القادم على رأس هرم المنظمة والسلطة بفعل قوانين الطبيعة على الاقل ،فان الابتعاد عن الاولويات الوطنية يزداد لصالح السعي للتعاطي مع ما تحمله المرحلة التالية من تداعيات على الاشخاص والمؤسسات والفصائل لاحقا، ولا يجد هؤلاء فرصة في النجاة سوى في تفكيك الجالة التنظيمية وابتكار وسائل اضعاف الاخر وتعميم الفوضى ،لانتاج منظومة قادرة على صيانة ما تم تكسبه وزيادته ان امكن .
وربما يأتي التعديل الحكومي وادارة الظهر لاتفاق الشاطئ كجزء من تقنيات التعاطي مع المرحلة القادمة ، التي تستدعي دفع حماس الى حافة الانفصال بغزة عن تحالفاتها الداخلية والخارجية التي تؤثر قطعا على مستقبل المنظمة والسلطة، في أي انتخابات عامة قادمة.
ويرتبط ذلك في ذات الوقت بالذهاب لمؤتمرات تنظيمية داخلية من اجل ضبط المعادلات الداخلية ضمن قراءة من اتجاه واحد ، الا ان هذه الخطوات قد تقود بكل سلمية وديمقراطية الى انقلابات في موازين القوى تصنعها حالة النفاق السياسي والتنظيمي الداخلي الناجم عن الرشوة والكبت والتخويف في أول فرصة سانحة للتخلص من كابوس ضياع الذات الفردية والجمعية للمناضلين التي ادت اليها حالات الاستبداد الداخلي.
ان الخلاص التنظيمي الذي لا يرتبط بالخلاص الشعبي من ربق الاحتلال وعدوانه المتصاعد، عبر العودة للمفاهيم والممارسات الكفاحية التي تقرها الفطرة الانسانية والشرعة الدولية لتحقيق الحرية، لا يمكن ان يؤدي الى الى نقيض الخلاص الوطني، عبر استجلاب الوجوه الجديدة القابلة للتطويع الداخلي والاستخذاء الخارجي ، كمقومات وحيدة للبقاء على قيد لائجة المكاسب .
ولعل ذات القيادات تدرك ان المخرج من مازقها الحالي والمستقبلي لا يمكن ان يكون كاملا الا عبر بوابة واحدة ، هي بوابة العودة لمنطلقات الثورة والفصائل المختلفة سياسيا واخلاقيا وثقافيا وسلوكيا، باعادة الاولوية للعمل النضالي، وبناء التنظيم السياسي السليم من الفساد واسقاط ما علق بهذه القيادات من طفيليات النفاق، عبر عمل ديمقراطي شفاف لا تخضع صناعته لمزاج البطانات الفاسدة، وهو ما يحفظ مصالح الوطن ......وربما.. مصالحهم الشخصية .
وحتى يتم ذلك فان تصاعد تبلولر التيار المستقل بما له من مداخل وممرات للمانحين وقوى الاقليم وبما عليه من مناقص ، قد يودي باحلام الكثيرين ، اذا ما قرر ولوج اللعبة السياسة ...القادمة.