بدون مقدمات، يعود الحديث دون مناسبة عن المصالحة المتعثرة والمتوقفة بين حماس وفتح رغم مئات الساعات من المحادثات وعشرات الاتفاقات والتفاهمات الموقعة سابقا بينهما، بجهود وسطاء من جنسيات مختلفة ربما غاب عنها فقط وسطاء من كوريا الشمالية أو جزر كبرياتي .
الحديث يعود بعد ظهور غير متوقع أو مبرر لزعيم حماس غزة إسماعيل هنية والذي بذل طوال سنوات جهودا جبارة لإفشال المصالحة لأنه توهم وبعد وصول الإخوان لساحات الحكم في عدة دول عربية إلى أن ما يفصله عن مبايعته زعيما متوجا لحماس وإمارة غزة ولما لا قائدا متوجا لفلسطين الإسلامية، لم يعد سوى اقل مما مضى .
هنية بطلته البهية، خرج ليبيع أكواما من الوهم لفتح، ربما محاولا أن يجد منقذا لحماس من ورطتها التي غرقت فيها جراء رؤيتها الخاطئة وتقييمها البعيد عن الواقع،وفتح الباحثة عن أي شيء تقدمه بعد ضياع قطار المفاوضات مع إسرائيل في سنواتها العشرين دون نتيجة، التقيا في منتصف طريق الوهم ليعود الحديث عن الأحلام.
المستغرب أن حماس وفي كل مرة تهتز الأرض تحت أقدامها تهرب إلى فتح لإنقاذها رغم أن جل قيادات فتح على قناعة بأن كل ما تدعيه قيادات حماس كذب ومحاولات للهروب من القادم المجهول.
حماس التي فقدت في فترة قياسية كل حلفائها واشترت عداء سيمتد لسنوات طويلة بدء بالتحاقها بالقاطرة القطرية التي توهمت قدرتها على إسقاط نظام دمشق وإعلانها الحرب رفقة الإخوان والقاعدة على حليفها الاستراتيجي الأول وحلفائه في بيروت وطهران ، وصولا لدخولها السباق على جواد خاسر في حرب على ملك " ديكتاتورية الجغرافيا " النظام المصري الذي لا تستطيع غزة تجاهله للحظة ، وانتهاء باهتزاز عرش الخليفة السادس في تركيا الغارق في بحر الفساد ، لتبقى حماس وحيدة تنتظر رحمة الحليف الأخير في الدوحة والذي تضعف قدرته يوما بعد يوم على مواجهة ردود الفعل لتجاوزه حدود دوره لذي توهم انه قيادي ورئيسي رغم أن الجغرافيا والتاريخ لا تسمح له بذلك .
على الطرف الأخر تقف فتح قابعة فوق بحيرة من الفشل والإحباط بعد ما يقارب عشرين عاما من المفاوضات التي لم تصل سوى لمزيد من ضياع الأرض وانهيار أحلام وإمكانيات تحقيق المعادلة التي أصبحت مستحيلة اليوم الأرض مقابل السلام.
فتح وحماس التقيا على طرفي نقيض متناسين أن الاجتماع للهروب من مواجهة الأزمات التي سقطوا فيها بخيارهم، سيضعهم في مواجهة يخرج فيها الطرفين خاسرين بالمطلق، خاصة وحماس تريد جر فتح للمواجهة مع مصر عبر الهروب إلى المصالحة لإضعاف موقف القاهرة في حربها ضد الإخوان، وحماس شريك أصيل وكامل في حرب الإخوان ضد مصر.
مصر الحلقة الأقوى في تحديد واقع ومستقبل القادم في فلسطين ،ونجاح تجربة ما بعد سقوط حكم الإخوان سيترك نتائج واسعة التأثير على الواقع الفلسطيني سيكون فيها الخاسر من اختار أن يقف بعيدا أو في صف العداء لمصر ولو عن سوء تقدير أو حسن نية ، بينما المنتصر من وقف مع مصر اليوم وغدا .
ما تمارسه حماس على الأرض في غزة أو عبر إعلامها التحريضي ضد فتح والمستمر بنفس اللغة والنهج الذي سار عليه لسنوات طويلة يوضح أن حماس تبحث فقط عن فرصة إطالة أمد احتضارها في غزة بعد أن أصبح بقائها مستحيلا، وفتح المتخبطة بين مشاريع كيري والرفض الشعبي الواسع لنهج التفاوض للتفاوض دون البحث عن خيارات أخرى يضع الجانبين في معادلة البحث عن المعجزة التي لن تأتي عبر الهروب إلى الأمام .
لم تقنع دعوات حماس سوى الواهمين في فتح، بأن هنية قبل معادلة إنقاذ ما يمكن إنقاذه في ولو بالتراجع عما تحقق لهم بعد سنوات الانقلاب في غزة، متناسين أن رؤية الإخوان ومنهجهم فكرا وممارسة لا يقبل غير مفاهيمهم العجيبة التي اخترعوها، ومرحلة التمكين التي دخلوا فيها تجعلهم أكثر عنفا وتطرفا واستعدادا للذهاب في المغامرة إلى النهاية حتى لو دعتهم لإعلان الحرب على الجميع ومصر أولهم .
مصلحة فتح اليوم تقتضي أن تقرأ بهدوء وبعيدا عن الإحساس بالإحباط وفشل خيار المفاوضات القادم في المنطقة ، والإخوان جزء من الماضي وليسوا شريكا في القادم والتنظيم الذي كان حصان الرهان الأمريكي في المنطقة للسنوات الطويلة القادمة سقط وتكسرت قدماه بين القاهرة ودمشق ، ويحاول جاهدا أن يبقي ولو قليلا مما تحقق له بعد ما اصطلح على تسمية ثورات الخراب او الدمار العربي .