سواء أصحت راوية الاحتلال بان حركة حماس تقف خلف خطف الجنود الثلاثة أم لم تصح؛ فان حركة حماس حققت تقدما بعدة نقاط، وعادت تخطف الأجواء من جديد وتتربع فوق عرش الأحداث بقوة بعكس ما يريد "نتنياهو".
أول تلك النقاط هي تحريك المياه الراكدة، وتذكير العالم بوجود احتلال ظالم في فلسطين المحتلة؛ وعودة صور إجرام جنود الاحتلال بقوة لكافة وسائل الإعلام العالمية؛ من قتل للأطفال وقتلهم بدم بارد كل يوم، والعقاب الجماعي لشعب مسالم من أطفال ونساء وشيوخ؛ وتصدر الحدث الفلسطيني وصارت له الأولوية بامتياز؛ برغم وجود أحداث جسام وخطيرة من حولنا.
إن صح أن ما جرى عملية أسر وليس غير ذلك؛ فان التوقيت كان موفقا وناجحا 100% لان "نتنياهو" برفضه الإفراج عن 30 أسيرا مؤبدا برغم توقيعه على ذلك بوساطة أمريكية؛ أوجد حالة إجماع فلسطينية كاسحة بالالتفاف حول قضية الأسرى؛ وبغض النظر عن الثمن لاحقا للإفراج عنهم، وحشر نهج التفاوض بشكل غير مسبوق وجعله بلا قيمة؛ وفي وضع لا يحسد عليه، وهو ما أقر به كتاب ومفكروا دولة الاحتلال.
وعودة لقصة الثمن؛ فانه لا توجد ولا حالة تاريخية واحدة أن تحرر شعب على طبق من ذهب وبالمزيد من فاوض ثم فاوض؛ دون تضحيات جسام؛ عادة ما تفوق خسائر العدو والمحتل بعدة أضعاف؛ وكما هو ظاهر فان الشعب الفلسطيني على استعداد لتقديم الثمن من خلال المسيرات والمظاهرات الضخمة بتشييع الشهداء، أو المواجهات الليلة الحاشدة، أو حتى من خلال النظر في عيون الجيل الصاعد، وقصة القضاء على البنية التحتية لحماس في غير محلها؛ كونه أصلا لا يوجد بنية تحتية، وإنما فكرة في العقول وعقيدة راسخة من الصعب القضاء عليها.
مطالبة وزير خارجية الاحتلال "أفيغدور ليبرمان" بطرد مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط روبرت سيري من الأراضي الفلسطينية واعتباره شخصية غير مرغوب فيها؛ سواء أكانت بحجة محاولة إدخال المنحة القطرية لموظفي غزة ومقدارها 20 مليون دولار، أو لغير ذلك، تشير لحالة اصطدام مع المجتمع الدولي.
تجمع كافة وسائل إعلام الاحتلال على أن "نتنياهو" لا يريد التصعيد؛ خشية اندلاع انتفاضة ثالثة؛ فيما يبدو أن ما يجري على الأرض هو حقيقة بدايات اندلاعها؛ حيث لا يلوح بالأفق حل لمعضلة اختفاء الجنود أو المستوطنين الثلاثة حتى الآن.
فتح ملف المخطوفين العيون على معاناة الأسرى وزاد من رصيدهم؛ كون ما يحدث وما يسقط من شهداء هو لأجلهم، والتي لا خلاف على أهمية الإفراج عنهم وسط حالة إجماع فلسطينية عارمة؛ فهم يضحون كل لحظة لأجل الوطن بتغييبهم خلف القضبان غصبا وكرها من قبل احتلال ظالم وشرس.
تبين لحد الآن أن الاحتلال يخشى ضرب غزة بقوة؛ ويعود ذلك لخشية من سقوط صواريخ على قلب دولته "تل ابيب"، كما تبين أن حدود قوته ليست بالمجال الكبير، وان يده الطولى ما عادت كذلك.
في كل الأحوال مهما بالغ "نتنياهو" بقمع الشعب الفلسطيني، فهو من يتحمل التصعيد الحاصل؛ برفضه إعطاء ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة والعادلة والتي تقرها كافة المواثيق والقوانين الدولية.
وأخيرا من الناحية المنطقية؛ فان أي انجاز يحققه أي فرد فلسطيني أو أي فصيل ضد الاحتلال، هو يصب في صالح القضية الفلسطينية تلقائيا، ويصبح انجاز فلسطيني، وما يحصل برغم شدته وقسوته؛ يحمل بشائر خير، ولمن لا يقر بذلك فلينظر وليتابع ارتباك وقلق دولة الاحتلال من كبيرها حتى صغيرها.