لا أنام إلا ساعات قليلة ، لم أستطع النوم منذ بدء الحرب على غزة ، عيناي تؤلماني ، صداع دائم ، قلق لا ينتهي ، لا أعرف ما هو تاريخ اليوم ، وكم هي عدد الأيام التي مرت على هذه الحرب ، لقد وصلت الليل بالنهار ، في ساعات الصباح الباكر ، أحاول أن لا أفكر إلا بصوت العصافير ، رغم صوت الطيران الحربي والزنانات التي تهتز لها طبلة أذني ، سريري ونافذتي يهتزان ، عندما يسقط الصاروخ ، تعتقد أن هنالك هزة أرضية قد حدثت.
أحاول الاسترخاء علّني أنام ، تتسلل قطتي البيضاء بشعرها الغزير إلى سريري ، تحرّك شواربها على وجهي ، تلعق يداي ، تعض قدماي ، لتتودد إلي طلبا للطعام ، أطعمها رغم نعاسي ، وما أن تحدث ضربة قوية حتى تركض القطة مسرعة من الخوف ، لتحمي نفسها تحت طاولة أو كرسي ، إنها غريزة البقاء ، حتى قطتي حاولت الحفاظ على حياتها طوال فترة الحرب ، كنت أعرف اتجاه الصاروخ ، عندما أراقب قطتي في أي اتجاه تركض بعيدا عن الخطر .
امتلك كنارا جميلا ، لكنه لم يعد يزقزق كباقي العصافير ، هو خائف من صوت الانفجارات ، أحاول الحديث معه ، والغناء له ، حتى ينقر لي على أصابعي ، أعلم أنه عاد للحياة.
أقرر في عقلي أن أكسب ساعات قليلة من النوم خلال الصباح بما أني لم أنم ليلا ، لكن كلما سمعت ضربة قوية ، لا شعوريا أحمل جهازي الأيفون ، إلى جانب سريري ، وأبدأ بالتصفح وقراءة الأخبار وتعليقات وانفعالات الناس حول ما يحدث في غزة والاطمئنان على الاصدقاء والأقارب ممن هم موجودون على صفحتي للفيس بوك ، و قراءة الروابط التي تتحدث عن الحرب على غزة ومشاركتها، ولكن لا أفهم شعوري المختلط ، في كل لحظة خوف ، أنظر إلى ضوء النهار ،أشعر بطمأنينة تغمرني ،لا أعلم ربما هو الايمان بالحياة .
من خلال الطيران الجوي والبوارج البحرية و قذائف الدبابات تفرض اسرائيل حظر تجوال دون اعلانه على المواطنين، لذا التزم البيت خوفا من خطر السير في الطرقات أو الخروج إلى خارج البيت ، أشعر أنني في سجن صغير ، كما الأسرى في سجون الاحتلال ، أحاول أن يكون يومي جميل ومفيد ، أحب المشي ، لذا أمشي ساعات طويلة داخل البيت ، أعد بلاطات الأرض ،أكرر عدّها ، وأنظم أفكاري ، أتخيل عالمي ، أفكر بما يجري ، كثيرا ما خطر على بالي فكرة ما للكتابة وأنا أمشي ، أمشي حتى أصل إلى نافذة ، أقف جانبها ، أنظر إلى الشارع ، إلى البحر و ألوان السماء بالقرب منه ، آخذ نفسا عميقا ، أشعر بالارتياح أنني ما زلت أتحسس جمال الصورة.
ابنة أخي الذي تزوج مؤخرا ، لم يتجاوز عمرها الاربعة شهور ، ألاعبها كثيرا ، إنها جدا جميلة ، عيناها لامعتان ، تمتلك ابتسامة عريضة تسع العالم ، قبل يومين استطاعت أن تدرك أنها تستطيع امساك الاشياء من حولها ، فأمسكت بيدي ، فرحت لذلك ، ولكن عندما حدث قصف لمكان ما في جانبنا ، لقد تشبثت بيدي بقوة ، وما أن انتهى صوت الضربة حتى عادت للابتسام ، لقد خفت عليها ، احتضنتها كثيرا ، إنها طفولة رائعة لا تعرف الخوف.
تقطع الكهرباء كثيرا ، لذا نحاول تعويض ذلك من خلال الموتورات و بطاريات اليو بي اس التي من خلالها نستطيع تشغيل كثير من المعدات الكهربية ، أشغل التلفاز لرؤية البث المباشر للأحداث في غزة ، وآراء المحللين السياسيين ومواقف العالم مما يجري ، أشعر بالملل ، كلام كثير هو مكرر ، وما أن تأتي صورة لمجازر ودماء في غزة ، أشعر بالحزن ، أبكي ، ولكني أستعيد قوتي سريعا ، أطفئ التلفاز .
أشغل الراديو لسماع المحطات المحلية ، فهي تنقل أخبارا من الميدان ، و تعلن عن أسماء الشهداء و الجرحى من خلال مراسليها ، تبث أغاني ثورية ومشجعة، أتناقش مع والدي الذي يمتلك ثقافة واسعة حول تاريخ فلسطين ، نحاول أنا و أبي التنبؤ بما قد يكون.
والدتي تتفاعل كثيرا مع الاخرين ، تتشاطر آرائها الحاسمة حول ما يجري ،مع الناس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الايباد خاصتها ، وفي هذا الشهر ، شهر رمضان ، اعتدنا تحضير كثير من الأكلات والوجبات الشهية ، كلما شعرت والدتي بالخطر ، تعدّ لنا أجمل المأكولات بمذاقات توابل نادرة ، فهي تتقن طبخ الاكل الدمشقي فهي من مواليد الشام ، تشتاق لسيجارة بعد الصيام ، مع العلم أنها كانت قد امتنعت عن التدخين منذ أعوام ، ولكنها عاودت التدخين مع بداية الحرب ، تضحك تقول الحياة كلها مدّخنة دعوني استمتع بسيجارتي ، وتتحدث لنا كم ناضلت هي وأبي في ظروف كثيرة ،مرت على الشعب الفلسطيني ، عندما التحقا بمنظمة التحرير الفلسطينية ،تقول كنا شباب واستطعنا ان نقاوم بكل ما استطعنا، أساعدها ، أمازحها ، استفزها قليلا ، لأنني أحب غضبها.
العامل المسؤول عن شؤون البيت ، لا يستطيع القدوم لعمله ، بيته بعيد والطريق خطر ،ولديه عائلة صغيرة عليه الاهتمام بها ، لذا أقوم أنا وأختي بتنظيف البيت وترتيب حاجياته ، أحب أن أمسح الارض ، وأرى لمعانها ، أعتقد أن الرؤية تتضح أكثر في عقلي ، جميل أن أمسح في كل يوم غبار القصف والدمار التي تعم البيت وأثاثه من خلال الهواء ، فنحن لا نستطيع اغلاق النوافذ تخفيفا من ضغط الهواء ، اذا ما حدث قصف ما، و مع حرارة الجو ، لا أستطيع تشغيل المكيفات والمراوح التي تحتاج اغلاق النوافذ و الكهرباء ، فالصيف حار جدا هنا ، لا يوجد كثير من الزرع والاشجار في غزة ، لقد اقتلع الاحتلال معظم اشجارنا ، مما زاد الحر ، و زاد رطوبة الجو ، ذلك أن غزة تقع على شاطئ البحر .
أحب تلميع كؤوس الشراب ، أبحث عن سكينة وهدوء في نفسي ، وإعادة ترتيبها في خزانتها ، أشاهد وأخوتي مسلسلات رمضانية تناقش دراما وكوميديا ساخرة عربية على القنوات العربية ، مما يسرقنا من جو الحرب المزعج ، فهو يحاصر حركتنا وأحلامنا وطموحاتنا.
أخي يحب النارجيلة وعزف الجيتار ، أحب جمرات الفحم وهي تحرق وسحب النارجيلة ، ورائحة الفواكه المعطرة للتبغ رغم أنها مضرة للصحة ، أحب سماع الموسيقا ، يشتد الحديث والممازحة عندما يدخنها ، نحزن عندما نسترجع ذكرياتنا مع عمي الذي استشهد باغتيال مباشر من صاروخ اسرائيلي في أعوام سابقة ، هو من علّمنا كيف نحضّر رأس النارجيلة ونحشو التبغ داخلها ، كان قد سُعِد عمي كثيرا عندما عدنا من الخارج إلى غزة بعد اتفاقية أوسلو ، لقد سحبني من نافذة السيارة ليقبلني في ذلك الوقت البعيد ، فهو لم يرى والدي أكثر من عشرين عاما بعد أن أُبعِد عن وطنه قسرا، نناقش ما يحدث كشباب ، نمتلك وجهات نظر نحاول تحليلها وربطها بالواقع ، نشرب القهوة لتساعدنا على السهر والتيقظ إذا ما حدث خطر ، رائحة القهوة رائعة ، إنها ممتعة .
أحب أن أحضّر طبق حلوى ، نعدّه في رمضان ، هو القطايف ، التي تدهن بالزبدة ثم تحشى بالقشدة ويرش عليها قليلا من الفستق الحلبي المبروش و نغرقها بالعسل وماء الزهر، نشعر بالأسى ونكثر من الدعاء لأناس لا يملكون الطعام الآن ، لقد فقدوا كل شيء، ومع ذلك ،لا أريد أن نفقد جمال هذا الشهر رغم قساوة كل الظروف ،علينا أن نعيش.
كثير ما استحم من شدة الحر ، أحب الماء ، و رغوة الصابون ، رغم أننا نفلتر المياه عدة مرات بأجهزة مخصصة ، لاستخدامها فهي ملوّثة ، لقد سرقت اسرائيل مياهنا ، أفكر بمن هجروا من بيوتهم لا يمتلكون حرية الاستحمام ، لا يملكون الماء ، لا يملكون أسرّة للنوم ، نحاول التبرع من خلال مساعدات يجمعها كل حي على حدا من ملابس وطعام ومال وكثير من الاحتياجات ، لكن أعرف أنهم غير مرتاحون فهم فقدوا بيوتهم ، واستقرارهم ، أقول الحمد لله مازلنا في بيتنا ، ولكن في صدري غصّة لمن هجّر من بيته.
أكتب وأكتب ،أكتب يومياتي أو مقالا سياسيا أو شعر نثريا ، او قصة قصيرة ، أفجر وابل غضبي مما يحدث ، شعبي لا يستحق إلا الحياة ، أتابع تضامن مختلف مدن العالم معنا ، أشعر أن حقيقة الانسانية لم تنتهي ، يتصل كثير من الاصدقاء من الداخل والخارج للاطمئنان علينا ، يرفعون من معنوياتنا ، يسألون كيف حالكم ، نقول دوما نحن بخير ، ولكن الحقيقة هي أن كل غزة ليست بخير ،نحاول أن نصمد حتى النهاية.
أحاول النوم مرة أخرى ،لكنني متيقظة جدا ، أي حركة تيقظني ، أخي يتسلل إلى غرفتي بهدوء ، يأخذ شاحن كمبيوتري ، يريد استغلال الكهرباء قبل أن تقطع ، حركته أيقظتني ،رغم أنه يمشي بحذر شديد ، أضحك ، أحاول العودة للنوم.
في ليلة من ليالي الحرب ، شعرت والعائلة ان الجو خانق ، قيل أن هناك غازات تطلق بالهواء ، علينا الحذر منها ،بإغلاق النوافذ ووضع قماش مبلل على الأنف ، احترنا نفتح النوافذ خوفا من القصف أم نغلقها خوفا من الغازات السامة، لم نستطع النوم ، عمّ الضحك البيت ، أنا وأخي وأختي لا نعلم لما نضحك ، قلنا ربما هذه غازات مضحكة ، انها سخرية القدر فيما نعيش .
في ليلة أخرى ، ضربت قوات الاحتلال الاسرائيلية صاروخا تمهيديا ينذر بقصف أقوى بعد فترة من الزمن ، اجّلنا نومنا حتى يقصفوا ،وتجمعنا في وسط البيت ، بحثا عن الأمان ، فنحن لا نملك ملاجئ آمنة، تأخر القصف ، أين هي الطائرة اقصفي وانتهي من عملك المشين نريد أن ننام.
تلقي اسرائيل بمنشورات من السماء ، تنصحنا بإخلاء المنازل ، تنذر أنها ستجتاح بعضا من مناطقنا ،أسخر من هذه المنشورات ، أفضّل الموت على أن أصيب بجروح خطيرة أو أتعرض لهجرة جديدة ، سأموت في منزلي لا أريد التشرد ، أقسم أنني أعشق الحياة.
/