الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حياة في الحرب

لا أنام إلا ساعات قليلة ، لم أستطع النوم منذ بدء الحرب على غزة ، عيناي تؤلماني ، صداع دائم ، قلق لا ينتهي ، لا أعرف ما هو تاريخ اليوم ، وكم هي عدد الأيام التي مرت على هذه الحرب ، لقد وصلت الليل بالنهار ، في ساعات الصباح الباكر ، أحاول أن لا أفكر إلا بصوت العصافير ، رغم صوت الطيران الحربي والزنانات التي تهتز لها طبلة أذني ، سريري ونافذتي يهتزان ، عندما يسقط الصاروخ ، تعتقد أن هنالك هزة أرضية قد حدثت.

أحاول الاسترخاء علّني أنام ، تتسلل قطتي البيضاء بشعرها الغزير إلى سريري ، تحرّك شواربها على وجهي ، تلعق يداي ، تعض قدماي ، لتتودد إلي طلبا للطعام ، أطعمها رغم نعاسي ، وما أن تحدث ضربة قوية حتى تركض القطة مسرعة من الخوف ، لتحمي نفسها تحت طاولة أو كرسي ، إنها غريزة البقاء ، حتى قطتي حاولت الحفاظ على حياتها طوال فترة الحرب ، كنت أعرف اتجاه الصاروخ ، عندما أراقب قطتي في أي اتجاه تركض بعيدا عن الخطر .

امتلك كنارا جميلا ، لكنه لم يعد يزقزق كباقي العصافير ، هو خائف من صوت الانفجارات ، أحاول الحديث معه ، والغناء له ، حتى ينقر لي على أصابعي ، أعلم أنه عاد للحياة.

أقرر في عقلي أن أكسب ساعات قليلة من النوم خلال الصباح بما أني لم أنم ليلا ، لكن كلما سمعت ضربة قوية ، لا شعوريا أحمل جهازي الأيفون ، إلى جانب سريري ، وأبدأ بالتصفح وقراءة الأخبار وتعليقات وانفعالات الناس حول ما يحدث في غزة والاطمئنان على الاصدقاء والأقارب ممن هم موجودون على صفحتي للفيس بوك ، و قراءة الروابط التي تتحدث عن الحرب على غزة ومشاركتها، ولكن لا أفهم شعوري المختلط ، في كل لحظة خوف ، أنظر إلى ضوء النهار ،أشعر بطمأنينة تغمرني ،لا أعلم ربما هو الايمان بالحياة .

من خلال الطيران الجوي والبوارج البحرية و قذائف الدبابات تفرض اسرائيل حظر تجوال دون اعلانه على المواطنين، لذا التزم البيت خوفا من خطر السير في الطرقات أو الخروج إلى خارج البيت ، أشعر أنني في سجن صغير ، كما الأسرى في سجون الاحتلال ، أحاول أن يكون يومي جميل ومفيد ، أحب المشي ، لذا أمشي ساعات طويلة داخل البيت ، أعد بلاطات الأرض ،أكرر عدّها ، وأنظم أفكاري ، أتخيل عالمي ، أفكر بما يجري ، كثيرا ما خطر على بالي فكرة ما للكتابة وأنا أمشي ، أمشي حتى أصل إلى نافذة ، أقف جانبها ، أنظر إلى الشارع ، إلى البحر و ألوان السماء بالقرب منه ، آخذ نفسا عميقا ، أشعر بالارتياح أنني ما زلت أتحسس جمال الصورة.

ابنة أخي الذي تزوج مؤخرا ، لم يتجاوز عمرها الاربعة شهور ، ألاعبها كثيرا ، إنها جدا جميلة ، عيناها لامعتان ، تمتلك ابتسامة عريضة تسع العالم ، قبل يومين استطاعت أن تدرك أنها تستطيع امساك الاشياء من حولها ، فأمسكت بيدي ، فرحت لذلك ، ولكن عندما حدث قصف لمكان ما في جانبنا ، لقد تشبثت بيدي بقوة ، وما أن انتهى صوت الضربة حتى عادت للابتسام ، لقد خفت عليها ، احتضنتها كثيرا ، إنها طفولة رائعة لا تعرف الخوف.

تقطع الكهرباء كثيرا ، لذا نحاول تعويض ذلك من خلال الموتورات و بطاريات اليو بي اس التي من خلالها نستطيع تشغيل كثير من المعدات الكهربية ، أشغل التلفاز لرؤية البث المباشر للأحداث في غزة ، وآراء المحللين السياسيين ومواقف العالم مما يجري ، أشعر بالملل ، كلام كثير هو مكرر ، وما أن تأتي صورة لمجازر ودماء في غزة ، أشعر بالحزن ، أبكي ، ولكني أستعيد قوتي سريعا ، أطفئ التلفاز .

أشغل الراديو لسماع المحطات المحلية ، فهي تنقل أخبارا من الميدان ، و تعلن عن أسماء الشهداء و الجرحى من خلال مراسليها ، تبث أغاني ثورية ومشجعة، أتناقش مع والدي الذي يمتلك ثقافة واسعة حول تاريخ فلسطين ، نحاول أنا و أبي التنبؤ بما قد يكون.

والدتي تتفاعل كثيرا مع الاخرين ، تتشاطر آرائها الحاسمة حول ما يجري ،مع الناس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي على الايباد خاصتها ، وفي هذا الشهر ، شهر رمضان ، اعتدنا تحضير كثير من الأكلات والوجبات الشهية ، كلما شعرت والدتي بالخطر ، تعدّ لنا أجمل المأكولات بمذاقات توابل نادرة ، فهي تتقن طبخ الاكل الدمشقي فهي من مواليد الشام ، تشتاق لسيجارة بعد الصيام ، مع العلم أنها كانت قد امتنعت عن التدخين منذ أعوام ، ولكنها عاودت التدخين مع بداية الحرب ، تضحك تقول الحياة كلها مدّخنة دعوني استمتع بسيجارتي ، وتتحدث لنا كم ناضلت هي وأبي في ظروف كثيرة ،مرت على الشعب الفلسطيني ، عندما التحقا بمنظمة التحرير الفلسطينية ،تقول كنا شباب واستطعنا ان نقاوم بكل ما استطعنا، أساعدها ، أمازحها ، استفزها قليلا ، لأنني أحب غضبها.

العامل المسؤول عن شؤون البيت ، لا يستطيع القدوم لعمله ، بيته بعيد والطريق خطر ،ولديه عائلة صغيرة عليه الاهتمام بها ، لذا أقوم أنا وأختي بتنظيف البيت وترتيب حاجياته ، أحب أن أمسح الارض ، وأرى لمعانها ، أعتقد أن الرؤية تتضح أكثر في عقلي ، جميل أن أمسح في كل يوم غبار القصف والدمار التي تعم البيت وأثاثه من خلال الهواء ، فنحن لا نستطيع اغلاق النوافذ تخفيفا من ضغط الهواء ، اذا ما حدث قصف ما، و مع حرارة الجو ، لا أستطيع تشغيل المكيفات والمراوح التي تحتاج اغلاق النوافذ و الكهرباء ، فالصيف حار جدا هنا ، لا يوجد كثير من الزرع والاشجار في غزة ، لقد اقتلع الاحتلال معظم اشجارنا ، مما زاد الحر ، و زاد رطوبة الجو ، ذلك أن غزة تقع على شاطئ البحر .

أحب تلميع كؤوس الشراب ، أبحث عن سكينة وهدوء في نفسي ، وإعادة ترتيبها في خزانتها ، أشاهد وأخوتي مسلسلات رمضانية تناقش دراما وكوميديا ساخرة عربية على القنوات العربية ، مما يسرقنا من جو الحرب المزعج ، فهو يحاصر حركتنا وأحلامنا وطموحاتنا.

أخي يحب النارجيلة وعزف الجيتار ، أحب جمرات الفحم وهي تحرق وسحب النارجيلة ، ورائحة الفواكه المعطرة للتبغ رغم أنها مضرة للصحة ، أحب سماع الموسيقا ، يشتد الحديث والممازحة عندما يدخنها ، نحزن عندما نسترجع ذكرياتنا مع عمي الذي استشهد باغتيال مباشر من صاروخ اسرائيلي في أعوام سابقة ، هو من علّمنا كيف نحضّر رأس النارجيلة ونحشو التبغ داخلها ، كان قد سُعِد عمي كثيرا عندما عدنا من الخارج إلى غزة بعد اتفاقية أوسلو ، لقد سحبني من نافذة السيارة ليقبلني في ذلك الوقت البعيد ، فهو لم يرى والدي أكثر من عشرين عاما بعد أن أُبعِد عن وطنه قسرا، نناقش ما يحدث كشباب ، نمتلك وجهات نظر نحاول تحليلها وربطها بالواقع ، نشرب القهوة لتساعدنا على السهر والتيقظ إذا ما حدث خطر ، رائحة القهوة رائعة ، إنها ممتعة .

أحب أن أحضّر طبق حلوى ، نعدّه في رمضان ، هو القطايف ، التي تدهن بالزبدة ثم تحشى بالقشدة ويرش عليها قليلا من الفستق الحلبي المبروش و نغرقها بالعسل وماء الزهر، نشعر بالأسى ونكثر من الدعاء لأناس لا يملكون الطعام الآن ، لقد فقدوا كل شيء، ومع ذلك ،لا أريد أن نفقد جمال هذا الشهر رغم قساوة كل الظروف ،علينا أن نعيش.

كثير ما استحم من شدة الحر ، أحب الماء ، و رغوة الصابون ، رغم أننا نفلتر المياه عدة مرات بأجهزة مخصصة ، لاستخدامها فهي ملوّثة ، لقد سرقت اسرائيل مياهنا ، أفكر بمن هجروا من بيوتهم لا يمتلكون حرية الاستحمام ، لا يملكون الماء ، لا يملكون أسرّة للنوم ، نحاول التبرع من خلال مساعدات يجمعها كل حي على حدا من ملابس وطعام ومال وكثير من الاحتياجات ، لكن أعرف أنهم غير مرتاحون فهم فقدوا بيوتهم ، واستقرارهم ، أقول الحمد لله مازلنا في بيتنا ، ولكن في صدري غصّة لمن هجّر من بيته.

أكتب وأكتب ،أكتب يومياتي أو مقالا سياسيا أو شعر نثريا ، او قصة قصيرة ، أفجر وابل غضبي مما يحدث ، شعبي لا يستحق إلا الحياة ، أتابع تضامن مختلف مدن العالم معنا ، أشعر أن حقيقة الانسانية لم تنتهي ، يتصل كثير من الاصدقاء من الداخل والخارج للاطمئنان علينا ، يرفعون من معنوياتنا ، يسألون كيف حالكم ، نقول دوما نحن بخير ، ولكن الحقيقة هي أن كل غزة ليست بخير ،نحاول أن نصمد حتى النهاية.

أحاول النوم مرة أخرى ،لكنني متيقظة جدا ، أي حركة تيقظني ، أخي يتسلل إلى غرفتي بهدوء ، يأخذ شاحن كمبيوتري ، يريد استغلال الكهرباء قبل أن تقطع ، حركته أيقظتني ،رغم أنه يمشي بحذر شديد ، أضحك ، أحاول العودة للنوم.

في ليلة من ليالي الحرب ، شعرت والعائلة ان الجو خانق ، قيل أن هناك غازات تطلق بالهواء ، علينا الحذر منها ،بإغلاق النوافذ ووضع قماش مبلل على الأنف ، احترنا نفتح النوافذ خوفا من القصف أم نغلقها خوفا من الغازات السامة، لم نستطع النوم ، عمّ الضحك البيت ، أنا وأخي وأختي لا نعلم لما نضحك ، قلنا ربما هذه غازات مضحكة ، انها سخرية القدر فيما نعيش .

في ليلة أخرى ، ضربت قوات الاحتلال الاسرائيلية صاروخا تمهيديا ينذر بقصف أقوى بعد فترة من الزمن ، اجّلنا نومنا حتى يقصفوا ،وتجمعنا في وسط البيت ، بحثا عن الأمان ، فنحن لا نملك ملاجئ آمنة، تأخر القصف ، أين هي الطائرة اقصفي وانتهي من عملك المشين نريد أن ننام.

تلقي اسرائيل بمنشورات من السماء ، تنصحنا بإخلاء المنازل ، تنذر أنها ستجتاح بعضا من مناطقنا ،أسخر من هذه المنشورات ، أفضّل الموت على أن أصيب بجروح خطيرة أو أتعرض لهجرة جديدة ، سأموت في منزلي لا أريد التشرد ، أقسم أنني أعشق الحياة.

/

×
أخبار
ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن مستشار رئاسي: إردوغان يترشح مجددًا في انتخابات مبكرة عام 2028 آيزنكوت يهاجم نتنياهو وحلفاءه المعارضين.. وليبرمان وبينيت وغولان يردون انتخابات أوروبا 2027.. صعود اليمين الراديكالي يضع حوكمة الاتحاد أمام اختبار جديد ترامب يهدّد الاتحاد الأوروبي بسبب “الخطة العدائية” للشراكة مع كندا شركات إسرائيلية تعرض تقنيات الأمن السيبراني في دبي وسط تبادل تجاري بنحو 3 مليارات دولار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط