تاريخ النشر: 2025-08-03 | 11:34
تاريخ النشر: 2025-08-03 | 11:34
في الحروب، يُقال إن الجميع يدفع الثمن. لكن الحقيقة التي لا تُروى كثيرًا هي أن النساء والأطفال يدفعونه مضاعفًا، لا لأنهم اختاروا أن يكونوا على الهامش، بل لأن الحرب وضعتهم هناك عمدًا، ثم تركتهم فريسة للجوع، للذل، وللخطر الذي لا يهدأ.
في غزة، لم يعد الطريق إلى الخبز أو شربة ماء يمر عبر السوق أو المخبز، بل عبر الطوابير، والذل، والمجازفة بالحياة. مراكز توزيع المساعدات، التي يفترض أن تكون ملاذًا إنسانيًا، تحولت إلى فخاخ موت. مناطق غير آمنة، مفتوحة على القصف أو إطلاق النار أو الدهس، ورغم ذلك، تتجه إليها الأمهات حاملات على أكتافهن أطفالًا يتضورون جوعًا، ويتركن خلفهن أطفالًا آخرين في البيوت والخيام دون حماية، فقط لأن الأم أصبحت مجبرة على الاختيار بين أن تُطعم طفلًا وتترك آخر في الخطر.
في إحدى الطوابير الطويلة، وقفت مريضة سرطان بشعرها المتساقط ووجهها الشاحب، في انتظار عبوة مياه تكفيها ليوم أو اثنين. لم تكن تطلب شيئًا لنفسها، بل قالت :"أنا فقط أريد شربة ماء لأولادي، ما في حليب، ما في شيء.. خليني أحاول بس أرجع وفي معي مي". هكذا أصبح الحلم في غزة: قارورة ماء.
حتى النساء الحوامل، في لحظة يفترض فيها أن يُصغى لهن، أن يُحمَين، يُؤخذ بأيديهن، يتحملن الوزن المزدوج للجوع والخوف. تمشي الحامل في الشهر الثامن بين ركام البيوت لتصل إلى مركز توزيع في منطقة مهددة، تضع يدًا على بطنها لتحمي الجنين، وتضع الأخرى على رأس طفل صغير يتعثر خلفها.
نحن كشرقيين، لنا خصوصياتنا الاجتماعية، نحمي النساء، ونخفي وجوههن عن الغريب، ونحوط الأمهات بهالة من القداسة. لكن الحرب مزقت هذا كله. أصبح الجوع أقوى من الأعراف، وأقسى من الحياء. أُجبرت النساء على الوقوف في أماكن مكشوفة، بين رجال غرباء، وسط صراخ وصراع، وتحت خطر الموت، فقط للحصول على حفنة طحين أو طبق رز.
الإذلال هنا ليس فقط في شكل المعاناة، بل في عمقها. أن تُضطر امرأة لتخاطر بحياتها كل يوم من أجل طعام، أن يُجبر الطفل على حمل دلو ماء أكبر من جسده، أن تفقد الأم كرامتها على أبواب الإغاثة، هذا ما يجعل الحرب ليست فقط قصفًا ودمارًا، بل انكسارًا للإنسان في أضعف لحظاته.
إنها ليست قصة صمود، بل قصة خذلان. النساء والأطفال في غزة لم يعودوا فقط ضحايا، بل متروكون، تمامًا، في مواجهة الجوع والذل والخطر دون غطاء، لا من نظام يحكمهم، ولا من عالم يدّعي الإنسانية.