تاريخ النشر: 2016-12-16 | 15:46
تاريخ النشر: 2016-12-16 | 15:46
بداية أعتذر عن هذا الانقطاع القسري عن حديث الإنجازات ، آملا مسامحتكم .
أشرت في نهاية حديثي السابق - 4 - عما نفعله بأنفسنا ، ومع ذلك نتوقع من إسرائيل التنازل عن مطامعها ، والنزول على ما مطالبنا . وحديث الإنجازات في خطاب الرئيس - التقرير السياسي لمؤتمر فتح هو صورة لما نفعله بأنفسنا . وسأبدأ بالتعليم لما أرى له من أهمية خاصة .
يقول الرئيس في إطار حديثه عن المهام وتحت البند 16 : "استمرار تطوير قطاع التعليم ونوعيته وخاصة المهني " . وفي مكان لاحق وتحت عنوان :" في مجال التعليم والتعليم العالي قال :" التعليم بالنسبة لكل فلسطيني يعيش في الوطن أو في الشتات كان وما يزال من أهم وسائل تطوير مستقبلهم وحياتهم ، ونحن نفتخر على الدوام بأننا من بين شعوب المنطقة والعالم الأكثر تعليما . وكانت تعليماتنا لجميع الحكومات التي شكلناها بإعطاء اهتمام خاص للتعليم وتطوير المناهج التربوية والتعليمية وفي جميع مراحلها الأساسية والجامعية والمهنية وربطها بأسواق العمل لتصل لمستوى منافس عالميا " وبعد تعداد الإنجازات يعود للقول : "وتوجيهاتنا الدائمة لوضع خطط متوسطة وطويلة المدي لتطوير المناهج التعليمية والاهتمام بالتعليم المهني الصناعي والزراعي والسياحي ....الخ " .
وقبل أن أصرخ ولالالالالالالالالو يا سيادة الرئيس ، ألا تعرف أننا ربما نكون البلد الوحيد في العالم الذي ليس لديه تعليم زراعي ، رغم أن أرضه هي محط أطماع العدو ، وموضوع الصراع الأهم ، والسلطة ومنذ نشأتها لم تعر هذا التعليم أي انتباه ، رغم معرفتها بأن الاحتلال هو من شطب مناهج التعليم الزراعي ، وأوقف وشطب برامج تحويل وتطوير بعض المدارس الزراعية ؟ قبل الصراخ سأسرد عليكم هذه الحكاية التي وقعت لي أواخر خمسينات القرن الماضي وكررتها مرات ومرات .
في العطل الصيفية ، أثناء دراستي الجامعية كنت أداوم على اللقاء مع صديقي الحاج محمود أبو الخير ، أحد قادة ثورة 36 - 39 ، والجهاد المقدس 47 -48 ، أطلع على ، وأتعلم من تجاربه وخبرته . في أحد اللقاءات سألته عن تقديره لأسباب خسائرنا المتلاحقة رغم ما نحكي عنه من بطولات وتضحيات . ضحك صديقي وقال بلهجته الريفية المحببة : " فكرك يا أستاذ - هكذا كان يناديني - هم غلبونا لأنهم أشجع منا ؟ " رددت مناكفا : أكيد وإلا لما غلبونا " . قال : " يا أستاذ أنا عرفتهم عن قرب . قد لا تصدقني إن قلت لك أنهم جبناء " . قلت وأنا أمعن في المناكفة :" سأصدقك . طيب كيف غلبونا ؟ " . قال : " يا أستاذ ، غلبونا بالعلم . هم متعلمون ونحن أميون . ولا أمل لنا في استرداد حقوقنا إلا إذا تعلمنا مثلهم " .
تخرجت من الجامعة وعملت معلما . وفي لقاء آخر معه بشرني ، وهو يطفح بالفرح ، بتطوير مدرسة القرية من إعدادية إلى ثانوية . لم أشاركه الفرح وقلت ما معناه أنني ضد ذلك . قال ، ومرة أخرى بلهجته الريفية المحببة :" لَهْ يا أستاذ ، شو اللي بسمعه منك " . قلت : " يا صديقي ليس هذا هو التعليم الذي تتمناه . هذا تعليم لا يقربنا من مستوى عدونا ، بل يوسع الفجوة بيننا وبينه " . شرحت له ،وصعب علي كيف كست الحسرة وجهه وبانت في عينيه .
كنت ، رغم قصر وحداثة تجربتي في التعليم ، قد لفت نظري ذلك التوسع الأفقي فيه على حساب نوعيته . منها مثلا نقص كوادر المعلمين المؤهلين للتعليم الثانوي ، وحشد المتخصصين منهم في مدارس المدن ورفد مدارس القرى الصاعدة بالأقل تأهيلا ، إضافة لشبه انعدام للوسائل المساعدة كالمكتبات والمختبرات ...الخ .
والآن يا سيادة الرئيس تعود لتتغنى بأننا الأكثر تعليما بين شعوب المنطقة . أهذا ما يهمك ؟ هذه الفشخرة الكاذبة بالمقارنة مع شعوب كانت ، حين درجنا على اسفلت التعليم ما زالت تعيش البداوة ، ولم تعرف التعليم إلا في فترات متأخرة ؟ ألا تهمك يا سيادة الرئيس المقارنة مع عدوك وصعوده الصاروخي لذرى العلم ؟
طيب يا سيادة الرئيس ، إذا كنت تعطي كل هذا الاهتمام لمناهج التعليم ، فكيف تفسر هذا التدهور المتسارع في جودة التعليم ؟ هل معقول أنك لا تعرف أن المساحة تزداد اتساعا بيننا وبين عدونا ؟ ألا تعرف أن التعليم ، رغم اتساعه أفقيا يعاني أمراضا تزداد تفاقما ، ويشهد تدهورا يزداد تسارعا ؟
يا سيادة الرئيس : إن كنت تعلم فتلك مصيبة ، وإن كنت لا تعلم فالمصيبة أعظم . ويا سيادة الرئيس إبدأ بمحاسبة من ورطك في الحديث عن تعليم زراعي وآخر فني ، إذ لا وجود لا لهذا ولا لذاك . ومعنى ما قلته أنك تبشرنا في عهدك القادم بتواصل التدهور في جودة التعليم ، مع توسع في الفشخرة الكاذبة عن منافستنا مع أخوة حالهم من حالنا ، لكنهم لا يواجهون مطامع عدو في قضم أرض وطنهم شبرا وراء آخر .
ويا سيادة الرئيس للحديث بقية . ..............................يتبع